رحـــيل
07-01-2009, 03:16 AM
مَدخل :
مُناسبة القصيدة بها من السمو والطهر
مايُحفز في داخلي تكثيف قراءة انطباعية
تُقربني من جماليات النص , لأتلمّس بنفسي
خامة إبداعٍ استوطن حنايا هذا النوع
من العلاقات البشرية..(أمومة وأبناء)!
و التي تشكل طاقة مغناطيسية جبّارة
لن نشعر حيالها إلا برغبة الانسياق التام
الخاضع دون أدنى مقاومة..
فـ شكرا للشعر والشعراء
أمــي
دام الدفَى مستمدّه .. من شمُـوس أمّـي
مايسكـن البَـرد لله .. يـوم بعظامـي
ومَدام وابِل سحايبهـا .. غَمَـر كمّـي
ماكُون بـإذن الله بيـوم ٍ أنـا الظامـي
يفُوح مَع ذكرهـا النعنـاع مـن فمّـي
ويصِير دَربِي خَضَر .. وأَنـوَار قدامـي
لو تطلب الروح .. قلتْ : تفضَلي / سَمّي
حلالَها العمـرْ .. بـأوّل وآخِـر أيامـي
فدوَة لعين العَزِيزَة .. نَبضِـي / ودمّـي
ومن هامتِي لين تاصل لاخمَص أقدامـي
اللي مساهَـا نَهـارٍ .. يشعلَـه همّـي
واللي تضِيق إن دَرَت فـي كـل آلامـي
واللي تجُوع وتمـد الخبـز مـن يمّـي
البرّ فِيها / ورضَاها .. لِي هَدَف سامـي
ماقُول مستَغنِي عَن خَالي وعَـن عمّـي
أقُـول أمـي خوالـي وأمّـي أعمَامِـي
أحـس مَدحِـي بضَعفَـه يشبـه لذمّـي
أشوفَها شامخة .. وأكبَر مـن أَقلامـي
ماقُـول غيـرْ الله يطـوّل بعمـر أمـي
اللي سكنهَـا مابيـن الجلـد وعظامـي
بدايـــة على فوهتها عدسة مجهر:
- عثرتُ على الشعر هنا مُتلبسا بعاطفة نقية دفعت ذوائقنا لـ تلاوة الطمأنينة..
الدفء..ولوعة الاشتياق! بل وجعلت التقصير بردا يلوك غفلتنا في مساءات
الاحتياج التي تطوق هذه الإنسانة ونحن نعلم.......ولانعلم!!
- أمٌ حانية وابنٌ بار قطفَ من دواخلها وردا أبيض ، ونثرهُ هنا بين أيدينا
في لوحة آسرة لانملك حيالها إلا تذكر أمهاتنا بقُبلة روحيه على جبينَ عمرٍ
حافل بقربهن وعطاياهن
دام الدفَى مستمدّه .. من شمُـوس أمّـي
مايسكـن البَـرد لله .. يـوم بعظامـي
ومَدام وابِل سحايبهـا .. غَمَـر كمّـي
ماكُون بـإذن الله بيـوم ٍ أنـا الظامـي
- تجلّت بداية النص (دام الدفى) بإجابة مازلنا نجهل سؤالها وكأن الشاعر يبدأ
رائعته بـ لأن ويترك لنا مهمة البحث بدهشة عن علامة الاستفهام المطروحة
مؤخرا!
- غمرَ طقس الشتاء مطلع القصيدة (مايسكن البرد لله) فكانت الأم شمسا تغزل
خيوط الدفء وتخبئها في أحشاء ابنها لتحمي عظامه من لذعة البرد .. الفقد ..
التيه .......وكل أسباب انكسار الحياة الهانئة!
ثم وبهدوء غامر يستدرجنا الشاعر نحو فصل الصيف وحرقته (أنا الظامي)
لنتلمس الظمأ وحرارة اللفح الـ تخور قواها أمام سحائب والدته وسقيا يديها وقلبها بماء الوجد
الذي لايروي العطش فحسب وإنما يُشبع كل نوافذ الاحتياج في منزل روحه
- ماسبق كان حَبكَة شعرية اقتَبَسَت من الفصول الأربعة فصلين (الشتاء والصيف)
فيهما من التضاد مايشعرنا بقوة عطاء الأم وعمومية استطاعتها وهيمنة حضورها
الذهني والوجداني في مختلف أمكنة وظروف حياة الشاعر
يفُوح مَع ذكرهـا النعنـاع مـن فمّـي
ويصِير دَربِي خَضَر .. وأَنـوَار قدامـي
لو تطلب الروح .. قلتْ : تفضَلي / سَمّي
حلالَها العمـرْ .. بـأوّل وآخِـر أيامـي
- اختار الشاعر ورق النعناع مُشبها رائحته الطيبة وسرعة انتشارها وأثرها
على النفس والمزاج بـ اسم أمه حين تكون قصةَ حديثهِ ومَكمَنِه , ثم أردف إقرانها
بالضوء الساقط على دربه القادم , دربٌ لوّنته مخيلة الشاعر بالاخضرار
كناية عن الرخاء والسلام والعطاء السخي
ومن الجمال بمكان ذكر الشاعر لـلصباح والمساء وجمعه بينهما في شطر ضيّق
لا يتوسّع إلا للفكر الخصب الذي يُحسن توظيف أدواته في المسافات القصيرة
- ليلٌ ونهار رتّبها بإبداعٍ مُركّب وليس مُباشرة : ( يصير دربي خضر) واخضرار
الدرب لانراه إلا في وضح النهار , ثم يقول (وأنوار قدامي) لننتقل لحالة الليل
التي تُبيح إضاءة الأنوار فتتضح الرؤيا , وهنا نخرج بنتيجة تشبه أرائك الراحة
الـ نتوسدها بعد اجتهاد العمل/التأمل , وهي استحضار الشاعر لذات والدته
في كل الأزمنة , متتالية كانت أو مُتباعدة , وذلك مُنتهى البر
- روح في داخلها العمر أوله وآخره مدّها الشاعر لمحبوبته ولسان حاله يردد
مفردات التنازل (تفضلي , سمي) متعددة الهياكل متوحدة الوجهة نحو بر الأم
وبُغية رضاها
فدوَة لعين العَزِيزَة .. نَبضِـي / ودمّـي
ومن هامتِي لين تاصل لاخمَص أقدامـي
- جاء الافتداء في بداية البيت معبرا عن عاطفة الشاعر المُشتعلة في هذا الجزء
من القصيدة والمكمّلة لقصة ابنٍ حائر يقلبُ قصيده تحت أقدام أمه ويعصرُ لها
الإحساس شعرا وأبيات
فأتى (بأداة قياس) مسافتها وأرقامها كيانه كاملا من الهامة وحتى مخمص القدم
ووضع فيها الدم والنبض وعائدهما المتمثل في (بصره وسمعه وأنفاسه........)
وقدمهُ لها كُلا لايقبل التجزأة
اللي مساهَـا نَهـارٍ .. يشعلَـه همّـي
واللي تضِيق إن دَرَت فـي كـل آلامـي
- ثم أتى بانعكاسية رائعة جعلت من مساء الأم اشتعال أودى بمخيلتنا لألوان
النار التي ترد رداء الليل إلى وضح نهار حين تعلم أنه ضاق وحفّته الآلام
فبدا هذا البيت مرآة تشف حزن الشاعر وأوجاعه من زاوية , وحنوِّه الطاغي
من زاوية أخرى
فقوله (إن درت في كل آلامي) يُخبر بحقيقة وجود الألم داخله ,
ثمّ حرصه وحمايته لـ قلبها اللين إذ لم يسمح لعظيم آلامه بالتفشّي أمام عينيها
كاملة وكما هي حقا , أبعد الله عن الشاعر كل الآلام والهموم
واللي تجُوع وتمـد الخبـز مـن يمّـي
البرّ فِيها / ورضَاها .. لِي هَدَف سامـي
- الجوع حاجة غريزية تلبيتها مطلب قد يعاند سيطرة العقلاء , والخبز في هذا البيت
اتسع بالشاعر ليعم مقصده كل العطايا الممكنة وغير الممكنة من والدته في أشد
لحظات احتياجها لها , وليس ذلك حصرا على الطعام
وكم بدت رمزية الخبز وساما ذهبيا له بريق لايَسدِلُ أجفانه !
- التخطيط المُسبق وبناء الأهداف تركيبة نادرة لاتعمل إلا في الأدمغة الذكية ,
وحين يكون البر ونيل رضى غالٍ على نفوسنا هدف ! ذلك بلاشك ذكاء إضافي
يضخ دفعة ضخمة من اكسيرالحب ويغلفه بمضادات اليبَس والجفاف, بوركتَ ياشاعر
ماقُول مستَغنِي عَن خَالي وعَـن عمّـي
أقُـول أمـي خوالـي وأمّـي أعمَامِـي
- جاء ذكر الخال والعم تاجٌ تلبسه الرؤوس وفخر يخبر بسمو مكانتهم في قلب
الشاعر إذ طاب له ذكرهم في هكذا مناسبة
لكنَّ عنصر المفاجأة يَعبرُ الشطر الثاني بلا سابق تمهيد ويخبر بأن العاطفة
تجاه الأم غلاّبة لايملك الشاعر إلا أن يقلّدها القمة الأولى
- إن القلوب التي تحضرنا في لحظات التعبير الصادق عما يعتمل في دواخلنا تبقى
مهمة بالنسبة لنا , بغض النظر عن كون تلك الأهمية تتجه نحو القطب الموجب
أو السالب , والشاعر هنا حين نادى بعمه وخاله هو حتما صافح يد مكانتهم بيد
مكانة غاليتهِ في لحظة حميمية تجري فيها دماء العائلة الواحدة , أدام الله وئام العلاقات
أحـس مَدحِـي بضَعفَـه يشبـه لذمّـي
أشوفَها شامخة .. وأكبَر مـن أَقلامـي
ماقُـول غيـرْ الله يطـوّل بعمـر أمـي
اللي سكنهَـا مابيـن الجلـد وعظامـي
- هنا غمر التواضع وخجل المكنون قريحة الشاعر وكأنه يتأمل بلاط قصيدته وداخله
يرغب في نثر المزيد لأنّ المساحة ضيقة ولاتتسع لغزيرٍ مازال يحاول توزيعه
على الحروف
فشبه عظيم المدح وشاهق قصوره في هذه القصيدة بضعف الذم إن أصيب بهشاشة
الوصول عجزا وحيرة أمام إنسانة لو استهلك لها طاقاته الشعرية مضاعفة في لحظة
إفصاح تقزّم القلم وانطوت معالم السطور!
- خُتمت هذه الرائعة بدعاء ينادي أمكنتها في روح ابنها بعمر مديد تقضيه بقربه
وفي داخله (بين جلدي وعظامي)!
- نملك في أجسادنا أمكنة خاصة وغالية لانحتفظ فيها إلا بالأحباب أصحاب الأولوية
في حياتنا (العين, القلب.......)
والشاعر هنا اختار أن يُسكنها بين جدارين (الجلد والعظام) والأمكنة البينية عادة أكثر
حفظا ودفءً وأمانا , والجدير بالذكر أن هذين الجدارين جمعا بين اللِين والصلابة
والتَحمَا سويا ليشكلا في داخله قـوّة يحفظها بها ويحميها من جهة, ولِيناً يرحمها به ويعطف عليها
من جهة أخرى
- جاء ذكر مفردة (عظامي) في مُنتهى القصيدة تدويرا عبقريا على (عظامي) الأولى
في مطلع القصيدة فبدا جِيدُ الشاعرية وخلخالها في حالة ألق مُركّز
لايفارق الأذهان على امتداد القصيدة
.
.
أبارك للشاعر هذه الرائعة التي أضافت للأدب أدلة إبداع منقطع النظير , مزجَ فيها
غرابة التراكيب بعمق التأثير والمفردات ثلاثية الأبعاد , ونقشَ عليها قافية هادئة
تناغمت مع حضور "سيدة النص" وبثت في الجنبات ألحان شجية ترُيح القلب وتؤنس
وحشة الحنين
- اختياره للتضاد والتشابه والكنايات كان مدروسا,وتوظيفه للمفردة والمعنى
أتى كما يجب,فلم نشهد مواضعا أتت في غير محلها أو حروفا تراجعت عن مكانها
اللازم, رغم أنّ مُدن القصيد بطبيعة مناخها تحمل من القوانين والقيود مايعرقل
أحيانا انطلاق الفكر وتمرد الخيال على الروتين , حتى يحار الشعراء بأقلامهم , أيقبضون
على القافية والوزن أم أنهما اللتان ستقبضان عليهم وتوجهانهم
"و هنا كان مربط الألق في القصيدة !"
- سقى الشاعر غصن النص بعاطفة خاصة "بهـا" وحدها لايزاحمها عليها أحد ,
مما زادَ كثافة الانسكاب والصنعة الشعرية
- جعلَ من مناسبة النص "شخصية واقعية" يعيشها بكل مايحمله الصدق من صدق
فزاد عمق الاتقان والشفافية
- بنكهة الشعر سافرنا إلى وطن هذه الامرأة المختلفة عن كل النساء في حياة كل منا!
حفظ الله الأحياء من أمهاتنا وأطال في عمرهن , ورحم الموتى منهن و قدّر لهنّ
ذريّة صالحة تحُسن إليهن بعد مماتهن بالدعاء والصدقة وصلة خاصتهن من الأقارب والأصحاب
عذرا للإطالة..لكن اجتماعا صاخبا بينَ روعتين (الشعر والأم)
كاثفَ أمامنا هطول المطر...
رحــيل
مُناسبة القصيدة بها من السمو والطهر
مايُحفز في داخلي تكثيف قراءة انطباعية
تُقربني من جماليات النص , لأتلمّس بنفسي
خامة إبداعٍ استوطن حنايا هذا النوع
من العلاقات البشرية..(أمومة وأبناء)!
و التي تشكل طاقة مغناطيسية جبّارة
لن نشعر حيالها إلا برغبة الانسياق التام
الخاضع دون أدنى مقاومة..
فـ شكرا للشعر والشعراء
أمــي
دام الدفَى مستمدّه .. من شمُـوس أمّـي
مايسكـن البَـرد لله .. يـوم بعظامـي
ومَدام وابِل سحايبهـا .. غَمَـر كمّـي
ماكُون بـإذن الله بيـوم ٍ أنـا الظامـي
يفُوح مَع ذكرهـا النعنـاع مـن فمّـي
ويصِير دَربِي خَضَر .. وأَنـوَار قدامـي
لو تطلب الروح .. قلتْ : تفضَلي / سَمّي
حلالَها العمـرْ .. بـأوّل وآخِـر أيامـي
فدوَة لعين العَزِيزَة .. نَبضِـي / ودمّـي
ومن هامتِي لين تاصل لاخمَص أقدامـي
اللي مساهَـا نَهـارٍ .. يشعلَـه همّـي
واللي تضِيق إن دَرَت فـي كـل آلامـي
واللي تجُوع وتمـد الخبـز مـن يمّـي
البرّ فِيها / ورضَاها .. لِي هَدَف سامـي
ماقُول مستَغنِي عَن خَالي وعَـن عمّـي
أقُـول أمـي خوالـي وأمّـي أعمَامِـي
أحـس مَدحِـي بضَعفَـه يشبـه لذمّـي
أشوفَها شامخة .. وأكبَر مـن أَقلامـي
ماقُـول غيـرْ الله يطـوّل بعمـر أمـي
اللي سكنهَـا مابيـن الجلـد وعظامـي
بدايـــة على فوهتها عدسة مجهر:
- عثرتُ على الشعر هنا مُتلبسا بعاطفة نقية دفعت ذوائقنا لـ تلاوة الطمأنينة..
الدفء..ولوعة الاشتياق! بل وجعلت التقصير بردا يلوك غفلتنا في مساءات
الاحتياج التي تطوق هذه الإنسانة ونحن نعلم.......ولانعلم!!
- أمٌ حانية وابنٌ بار قطفَ من دواخلها وردا أبيض ، ونثرهُ هنا بين أيدينا
في لوحة آسرة لانملك حيالها إلا تذكر أمهاتنا بقُبلة روحيه على جبينَ عمرٍ
حافل بقربهن وعطاياهن
دام الدفَى مستمدّه .. من شمُـوس أمّـي
مايسكـن البَـرد لله .. يـوم بعظامـي
ومَدام وابِل سحايبهـا .. غَمَـر كمّـي
ماكُون بـإذن الله بيـوم ٍ أنـا الظامـي
- تجلّت بداية النص (دام الدفى) بإجابة مازلنا نجهل سؤالها وكأن الشاعر يبدأ
رائعته بـ لأن ويترك لنا مهمة البحث بدهشة عن علامة الاستفهام المطروحة
مؤخرا!
- غمرَ طقس الشتاء مطلع القصيدة (مايسكن البرد لله) فكانت الأم شمسا تغزل
خيوط الدفء وتخبئها في أحشاء ابنها لتحمي عظامه من لذعة البرد .. الفقد ..
التيه .......وكل أسباب انكسار الحياة الهانئة!
ثم وبهدوء غامر يستدرجنا الشاعر نحو فصل الصيف وحرقته (أنا الظامي)
لنتلمس الظمأ وحرارة اللفح الـ تخور قواها أمام سحائب والدته وسقيا يديها وقلبها بماء الوجد
الذي لايروي العطش فحسب وإنما يُشبع كل نوافذ الاحتياج في منزل روحه
- ماسبق كان حَبكَة شعرية اقتَبَسَت من الفصول الأربعة فصلين (الشتاء والصيف)
فيهما من التضاد مايشعرنا بقوة عطاء الأم وعمومية استطاعتها وهيمنة حضورها
الذهني والوجداني في مختلف أمكنة وظروف حياة الشاعر
يفُوح مَع ذكرهـا النعنـاع مـن فمّـي
ويصِير دَربِي خَضَر .. وأَنـوَار قدامـي
لو تطلب الروح .. قلتْ : تفضَلي / سَمّي
حلالَها العمـرْ .. بـأوّل وآخِـر أيامـي
- اختار الشاعر ورق النعناع مُشبها رائحته الطيبة وسرعة انتشارها وأثرها
على النفس والمزاج بـ اسم أمه حين تكون قصةَ حديثهِ ومَكمَنِه , ثم أردف إقرانها
بالضوء الساقط على دربه القادم , دربٌ لوّنته مخيلة الشاعر بالاخضرار
كناية عن الرخاء والسلام والعطاء السخي
ومن الجمال بمكان ذكر الشاعر لـلصباح والمساء وجمعه بينهما في شطر ضيّق
لا يتوسّع إلا للفكر الخصب الذي يُحسن توظيف أدواته في المسافات القصيرة
- ليلٌ ونهار رتّبها بإبداعٍ مُركّب وليس مُباشرة : ( يصير دربي خضر) واخضرار
الدرب لانراه إلا في وضح النهار , ثم يقول (وأنوار قدامي) لننتقل لحالة الليل
التي تُبيح إضاءة الأنوار فتتضح الرؤيا , وهنا نخرج بنتيجة تشبه أرائك الراحة
الـ نتوسدها بعد اجتهاد العمل/التأمل , وهي استحضار الشاعر لذات والدته
في كل الأزمنة , متتالية كانت أو مُتباعدة , وذلك مُنتهى البر
- روح في داخلها العمر أوله وآخره مدّها الشاعر لمحبوبته ولسان حاله يردد
مفردات التنازل (تفضلي , سمي) متعددة الهياكل متوحدة الوجهة نحو بر الأم
وبُغية رضاها
فدوَة لعين العَزِيزَة .. نَبضِـي / ودمّـي
ومن هامتِي لين تاصل لاخمَص أقدامـي
- جاء الافتداء في بداية البيت معبرا عن عاطفة الشاعر المُشتعلة في هذا الجزء
من القصيدة والمكمّلة لقصة ابنٍ حائر يقلبُ قصيده تحت أقدام أمه ويعصرُ لها
الإحساس شعرا وأبيات
فأتى (بأداة قياس) مسافتها وأرقامها كيانه كاملا من الهامة وحتى مخمص القدم
ووضع فيها الدم والنبض وعائدهما المتمثل في (بصره وسمعه وأنفاسه........)
وقدمهُ لها كُلا لايقبل التجزأة
اللي مساهَـا نَهـارٍ .. يشعلَـه همّـي
واللي تضِيق إن دَرَت فـي كـل آلامـي
- ثم أتى بانعكاسية رائعة جعلت من مساء الأم اشتعال أودى بمخيلتنا لألوان
النار التي ترد رداء الليل إلى وضح نهار حين تعلم أنه ضاق وحفّته الآلام
فبدا هذا البيت مرآة تشف حزن الشاعر وأوجاعه من زاوية , وحنوِّه الطاغي
من زاوية أخرى
فقوله (إن درت في كل آلامي) يُخبر بحقيقة وجود الألم داخله ,
ثمّ حرصه وحمايته لـ قلبها اللين إذ لم يسمح لعظيم آلامه بالتفشّي أمام عينيها
كاملة وكما هي حقا , أبعد الله عن الشاعر كل الآلام والهموم
واللي تجُوع وتمـد الخبـز مـن يمّـي
البرّ فِيها / ورضَاها .. لِي هَدَف سامـي
- الجوع حاجة غريزية تلبيتها مطلب قد يعاند سيطرة العقلاء , والخبز في هذا البيت
اتسع بالشاعر ليعم مقصده كل العطايا الممكنة وغير الممكنة من والدته في أشد
لحظات احتياجها لها , وليس ذلك حصرا على الطعام
وكم بدت رمزية الخبز وساما ذهبيا له بريق لايَسدِلُ أجفانه !
- التخطيط المُسبق وبناء الأهداف تركيبة نادرة لاتعمل إلا في الأدمغة الذكية ,
وحين يكون البر ونيل رضى غالٍ على نفوسنا هدف ! ذلك بلاشك ذكاء إضافي
يضخ دفعة ضخمة من اكسيرالحب ويغلفه بمضادات اليبَس والجفاف, بوركتَ ياشاعر
ماقُول مستَغنِي عَن خَالي وعَـن عمّـي
أقُـول أمـي خوالـي وأمّـي أعمَامِـي
- جاء ذكر الخال والعم تاجٌ تلبسه الرؤوس وفخر يخبر بسمو مكانتهم في قلب
الشاعر إذ طاب له ذكرهم في هكذا مناسبة
لكنَّ عنصر المفاجأة يَعبرُ الشطر الثاني بلا سابق تمهيد ويخبر بأن العاطفة
تجاه الأم غلاّبة لايملك الشاعر إلا أن يقلّدها القمة الأولى
- إن القلوب التي تحضرنا في لحظات التعبير الصادق عما يعتمل في دواخلنا تبقى
مهمة بالنسبة لنا , بغض النظر عن كون تلك الأهمية تتجه نحو القطب الموجب
أو السالب , والشاعر هنا حين نادى بعمه وخاله هو حتما صافح يد مكانتهم بيد
مكانة غاليتهِ في لحظة حميمية تجري فيها دماء العائلة الواحدة , أدام الله وئام العلاقات
أحـس مَدحِـي بضَعفَـه يشبـه لذمّـي
أشوفَها شامخة .. وأكبَر مـن أَقلامـي
ماقُـول غيـرْ الله يطـوّل بعمـر أمـي
اللي سكنهَـا مابيـن الجلـد وعظامـي
- هنا غمر التواضع وخجل المكنون قريحة الشاعر وكأنه يتأمل بلاط قصيدته وداخله
يرغب في نثر المزيد لأنّ المساحة ضيقة ولاتتسع لغزيرٍ مازال يحاول توزيعه
على الحروف
فشبه عظيم المدح وشاهق قصوره في هذه القصيدة بضعف الذم إن أصيب بهشاشة
الوصول عجزا وحيرة أمام إنسانة لو استهلك لها طاقاته الشعرية مضاعفة في لحظة
إفصاح تقزّم القلم وانطوت معالم السطور!
- خُتمت هذه الرائعة بدعاء ينادي أمكنتها في روح ابنها بعمر مديد تقضيه بقربه
وفي داخله (بين جلدي وعظامي)!
- نملك في أجسادنا أمكنة خاصة وغالية لانحتفظ فيها إلا بالأحباب أصحاب الأولوية
في حياتنا (العين, القلب.......)
والشاعر هنا اختار أن يُسكنها بين جدارين (الجلد والعظام) والأمكنة البينية عادة أكثر
حفظا ودفءً وأمانا , والجدير بالذكر أن هذين الجدارين جمعا بين اللِين والصلابة
والتَحمَا سويا ليشكلا في داخله قـوّة يحفظها بها ويحميها من جهة, ولِيناً يرحمها به ويعطف عليها
من جهة أخرى
- جاء ذكر مفردة (عظامي) في مُنتهى القصيدة تدويرا عبقريا على (عظامي) الأولى
في مطلع القصيدة فبدا جِيدُ الشاعرية وخلخالها في حالة ألق مُركّز
لايفارق الأذهان على امتداد القصيدة
.
.
أبارك للشاعر هذه الرائعة التي أضافت للأدب أدلة إبداع منقطع النظير , مزجَ فيها
غرابة التراكيب بعمق التأثير والمفردات ثلاثية الأبعاد , ونقشَ عليها قافية هادئة
تناغمت مع حضور "سيدة النص" وبثت في الجنبات ألحان شجية ترُيح القلب وتؤنس
وحشة الحنين
- اختياره للتضاد والتشابه والكنايات كان مدروسا,وتوظيفه للمفردة والمعنى
أتى كما يجب,فلم نشهد مواضعا أتت في غير محلها أو حروفا تراجعت عن مكانها
اللازم, رغم أنّ مُدن القصيد بطبيعة مناخها تحمل من القوانين والقيود مايعرقل
أحيانا انطلاق الفكر وتمرد الخيال على الروتين , حتى يحار الشعراء بأقلامهم , أيقبضون
على القافية والوزن أم أنهما اللتان ستقبضان عليهم وتوجهانهم
"و هنا كان مربط الألق في القصيدة !"
- سقى الشاعر غصن النص بعاطفة خاصة "بهـا" وحدها لايزاحمها عليها أحد ,
مما زادَ كثافة الانسكاب والصنعة الشعرية
- جعلَ من مناسبة النص "شخصية واقعية" يعيشها بكل مايحمله الصدق من صدق
فزاد عمق الاتقان والشفافية
- بنكهة الشعر سافرنا إلى وطن هذه الامرأة المختلفة عن كل النساء في حياة كل منا!
حفظ الله الأحياء من أمهاتنا وأطال في عمرهن , ورحم الموتى منهن و قدّر لهنّ
ذريّة صالحة تحُسن إليهن بعد مماتهن بالدعاء والصدقة وصلة خاصتهن من الأقارب والأصحاب
عذرا للإطالة..لكن اجتماعا صاخبا بينَ روعتين (الشعر والأم)
كاثفَ أمامنا هطول المطر...
رحــيل