المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عصــي الدمــع .


ولاء كيال
10-30-2008, 11:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قصيدة
( أراك عصي الدمع )
لـ أبي فراس الحمداني

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ،

أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟

نعم أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ،

ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى

وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي

إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ ،

إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!

حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا

و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ

و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ

لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ

بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً

هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ

تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي

لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ

بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني

أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ

وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ

وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ

فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْ

فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ

وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ

لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ

وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها،

فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ

تسائلني: " منْ أنتَ ؟ " ، وهي عليمة ٌ ،

وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟

فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى :

قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ

فقلتُ لها: " لو شئتِ لمْ تتعنتي ،"

وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!

فقالتْ: " لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا!"

فقلتُ: "معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ، "

وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌ

إلى القلبِ؛ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ

وَتَهْلِكُ بَينَ الهَزْلِ والجِدّ مُهجَة ٌ

إذا مَا عَداها البَينُ عَذّبَها الهَجْرُ

فأيقنتُ أنْ لا عزَّ ، بعدي ، لعاشقٍ ؛

وَأنُّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ

وقلبتُ أمري لا أرى لي راحة ً ،

إذا البَينُ أنْسَاني ألَحّ بيَ الهَجْرُ

فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِها،

لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ

كَأني أُنَادي دُونَ مَيْثَاءَ ظَبْيَة ً

على شرفٍ ظمياءَ جللها الذعرُ

تجفَّلُ حيناً ، ثم تدنو كأنما

تنادي طلا ـ، بالوادِ ، أعجزهُ الحضرُ

فلا تنكريني ، يابنة َ العمِّ ، إنهُ

ليَعرِفُ مَن أنكَرْتِهِ البَدْوُ وَالحَضْرُ

ولا تنكريني ، إنني غيرُ منكرٍ

إذا زلتِ الأقدامِ ؛ واستنزلَ النضرُ

وإني لجرارٌ لكلِّ كتيبة ٍ

معودة ٍ أنْ لا يخلَّ بها النصرُ

و إني لنزالٌ بكلِّ مخوفة ٍ

كثيرٌ إلى نزالها النظرُ الشزرُ

فَأَظمأُ حتى تَرْتَوي البِيضُ وَالقَنَا

وَأسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذّئبُ وَالنّسرُ

وَلا أُصْبِحُ الحَيَّ الخَلُوفَ بِغَارَة ٍ،

وَلا الجَيشَ مَا لمْ تأتِه قَبليَ النُّذْرُ

وَيا رُبّ دَارٍ، لمْ تَخَفْني، مَنِيعَة ٍ

طلعتُ عليها بالردى ، أنا والفجرُ

و حيّ ٍرددتُ الخيلَ حتى ملكتهُ

هزيماً وردتني البراقعُ والخمرُ

وَسَاحِبَة ِ الأذْيالِ نَحوي، لَقِيتُهَا

فلمْ يلقها جهمُ اللقاءِ ، ولا وعرُ

وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ

و رحتُ ، ولمْ يكشفْ لأثوابها سترُ

و لا راحَ يطغيني بأثوابهِ الغنى

و لا باتَ يثنيني عن الكرمِ الفقر

و ما حاجتي بالمالِ أبغي وفورهُ ؟

إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ

أسرتُ وما صحبي بعزلٍ، لدى الوغى ،

ولا فرسي مهرٌ ، ولا ربهُ غمرُ !

و لكنْ إذا حمَّ القضاءُ على أمرىء ٍ

فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ، ولا بحرُ !

وقالَ أصيحابي: " الفرارُ أوالردى ؟ "

فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ

وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني،

وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ

يقولونَ لي: " بعتَ السلامة َ بالردى "

فَقُلْتُ: أمَا وَالله، مَا نَالَني خُسْرُ

و هلْ يتجافى عني الموتُ ساعة ً ،

إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضّرّ؟

هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه،

فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذكرُ

و لا خيرَ في دفعِ الردى بمذلة ٍ

كما ردها ، يوماً بسوءتهِ " عمرو"

يمنونَ أنْ خلوا ثيابي ، وإنما

عليَّ ثيابٌ ، من دمائهمُ حمرُ

و قائم سيفي ، فيهمُ ، اندقَّ نصلهُ

وَأعقابُ رُمحٍ فيهِمُ حُطّمَ الصّدرُ

سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ،

" وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ "

فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه

و تلكَ القنا ، والبيضُ والضمرُ الشقرُ

وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ

وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ، وَانْفَسَحَ العمرُ

ولوْ سدَّ غيري ، ما سددتُ ، اكتفوا بهِ؛

وما كانَ يغلو التبرُ ، لو نفقَ الصفرُ

وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا،

لَنَا الصّدرُ، دُونَ العالَمينَ، أو القَبرُ

تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا،

و منْ خطبَ الحسناءَ لمْ يغلها المهرُ

أعزُّ بني الدنيا ، وأعلى ذوي العلا ،

وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ

ولاء كيال
10-30-2008, 11:33 PM
تحليل أدبي لقصيدة أبي فراس الحمداني
(أراك عصيَّ الدمع)
الأستاذ/ جبر بن ضويحي الفحّام
المدرس بالمعهد العلمي بمحافظة الدرعيّة

عاشَ أبو فراسٍ الحمدانيُّ في أجواءٍ شديدةِ التنافسِ على الشرفِ والعزة، وإثباتِ الذات، وكان له حُسّادٌ ومنافسون من أقاربه ومن الأبعدين، وأهمهم: شاعرُ سيفِ الدولةِ المتنبي، وكانت وسيلةُ أبي فراسٍ لإثباتِ الذّاتِ، والتغلُّبِ على المنافسين تعملُ في مجالين هما: (الشجاعة والشعر)؛ لذلك تراهُ يُشاركُ بكثرةٍ في معاركِ سيفِ الدولةِ، ويُنشدُ القصائدَ في مدحِه، والفخرِ بنفسِه وقومه، وعندما وقعَ في الأسر وجدَ أن وسيلتـَه الأولى قد ضُربت، والأدهى من ذلك: أنّ أعداءه استغلُّوا هذا السقوطَ أكبرَ استغلال؛ لذا فقد حشدَ كلَّ طاقاتِه، وجمعَ كلَّ أدواتِه؛ لتصحيحِ المعادلةِ واستعادةِ الماضي، وردِّ الضائع؛ فكانت هذه القصيدة التي تطفحُ بالاعتزازِ بالنفس، والاعتدادِ بالنَّسَب، في محاولةٍ لردِّ الاعتبارِ والتشبُّثِ بالكبرياءِ والعظمة .
بدأ أبو فراسٍ قصيدتَه بمقدمةٍ غزليّة تقليديّة [الأبيات 1ـ25] ولكنها عذبةٌ رقيقة جميلة، ولم يُشوِّهْ جمالَها إلا الأنانيّة الطاغية في قوله: (إذا متُّ ظمآناً فلا نزلَ القطرُ) !
كما تظهرُ في هذه المقدّمة نفسيّةُ أبي فراسٍ المتعالية والمتعاظمة ، مع أن موقفَ الحبِّ موقفُ خضوعٍ وتصاغرٍ وتنازل؛ فهو لا يستجيبُ لأمرِ الهوى فيسمحُ لدمعِه بالظهور، ولا يخضعُ لنهيِ الهوى له عن الصبرِ في سبيلِ الحب:
أراكَ عَصِيَّ الدمعِ شيمتُك الصبرُ أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ ؟!
بل يحتفظُ بكلِّ مظاهرِ حُبِّهِ وشَوقِه سراًّ في صدرهِ أو تحتَ ظلمةِ اللَّيل:
بلى، أنا مشتاقٌ، وعنديَ لوعةٌ ولكنّ مثلي لا يُذاعُ له سرُّ !
إذا اللَّيلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعاً من خلائقِه الكبرُ .
كما أنه علَمٌ بارزٌ فهو من الشهرةِ والتميُّزِ في مكانٍ لا يتجاهلُه إلا معاندٌ ومكابر:
تُسائِلُني: من أنت؟ وهي عليمةٌ وهل بفتىً مثلي على حالِه نُكرُ؟
وبالإجابةِ على هذا السؤال يتخلّصُ أبو فراسٍ من مقدمتِه الغزليّة إلى غرضِه الأولِ من القصيدة وهو الفخرُ بالنفس، وتعداد المزايا والصِّفات، والاستعدادُ للتحدّي والمواجهة [الأبيات 26ـ37] فيذكرُ شجاعتَه وإقدامَه وفعلَه في الحرب:
وإني لجـرّارٌ لكـلِّ كتيبةٍ مُعَـوّدةٍ ألاّ يُخِلَّ بها النصرُ .
وأنه ـ من شجاعتِه ـ لا يقاتلُ عدوَّهُ إلا إذا كان العدوُّ مستعداً للنِّزال:
ولا أُصْبِحُ الحيَّ الخلوفَ بغارةٍ ولا الجيشَ ما لم تأتِهِ قَبْليَ النُّذْرُ .
وإذا انتصرَ فإنه ـ من شرفِه ـ لا يتعرّضُ للنّساء، بل يهبُ لهنّ انتصارَه، ثم إنه بعد هذا الانتصار بعيدٌ كلَّ البعدِ عن الكبرِ والطغيان، كبعدِهِ عن البخلِ ولو افتقر:
ولا راحَ يُطغيني بأثوابِه الغنى ولا باتَ يثنيني عن الكَرمِ الفقرُ .
وفي المقطعِ الثالث [الأبيات 38ـ 47] يعتذرُ عن سقوطه، ويحتجُّ عن أسرهِ بأنه قضاءٌ وقدر، وليس لضعفٍ فيه أو خور، بل إنه هو الذي اختارَ الأسر؛ هروباً من العار:
أُسِرْتُ وما صحبي بعُزْلٍ لدى الوغى، ولا فرسي مُهرٌ، ولا ربُّهُ غَمـرُ
ولكن إذا حُمّ القضاءُ على امْرِىءٍ فليس له بـرٌّ يقيهِ، ولا بحـرُ
وقال أُصيحابي: الفرارُ أو الردى؟ فقلتُ: هما أمرانِ: أحلاهما مُرُّ
ثم يردُّ على من اتّهمه بالخوفِ من الموت بأن الإنسانَ لابُدّ ميْتٌ، ولكنه يختارُ الميتةَ التي تُبقيهِ حياًّ بعد موتِه بذكرِهِ الحسَن:
هو الموتُ فاخترْ ما عَلا لك ذكرُهُ فلم يمُتِ الإنسانُ ما حيِيَ الذّكرُ .
ثم يتحوّلُ الشاعرُ إلى العتبِ على قومه [الأبيات 48ـ 51] الذين لم يقدروه حقّ قدره، ولم يضعوه في المكان الذي يستحقُّه؛ فتأخّروا في فدائِه وفكِّ أسره، ولكن لن يفتقدوه إلا في وقتِ الشدّةِ والحاجة:
سيذكرُني قومي إذا جدّ جِدُّهم وفي اللّيلةِ الظلماءِ يُفتَقَدُ البدرُ .
ولكنّه سيُثبِّتُ نفسَه بالفعلِ الذي سيرونه، ولن يجدوا من يفعلُ مثلَ فعلِه، ومعَ عتْبِه على قومِه فإنه يرى نفسَه قطعةً منهم؛ ولذا ختمَ القصيدة بثلاثةِ أبيات [52ـ 54] افتخرَ فيها بقومِه، واعتزّ بهم:
ونحنُ أُناسٌ لا توسُّطَ عندنا لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ
تهونُ علينا في المعالي نفوسُنا ومن خطَبَ الحسناءَ لم يُغلِهِ المهرُ
أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العُلا وأكرمُ مَن فوقَ التُّرابِ ولا فخرُ .


نقلته بدون تعليق .. لأنه فعلاً يستحق الصمت .
مع خالص الود (f)
تحياتي

سهيل الشريف
11-02-2008, 10:02 AM
الأديبة رمال:

وأنا سأشاركك الصمت ولكن بعد أن أقول : أغبطك على حُسن الإنتقاء وروعة الطرح.


تحياتي,,,,,,,,,,,,

ولاء كيال
11-02-2008, 12:01 PM
الأديبة رمال:

وأنا سأشاركك الصمت ولكن بعد أن أقول : أغبطك على حُسن الإنتقاء وروعة الطرح.


تحياتي,,,,,,,,,,,,


مرورك الأروع .
شكراً لك .
تحية تليق بك (f)

عَبير بِنْت أحْمد
11-04-2008, 07:14 PM
يالنكهة الأدب الأصيل

جميل هذا الإنتقاء في وقت نحتاج فيه العودة للوراء لنتذوق أدب خُلّد على مر العصور

شكرا لك رمال شكرا لك

ولاء كيال
11-05-2008, 01:07 AM
" عرين "
هذا الأدب " الخالد " موجود طالما وجد من .. يقرأ .
شكراً لـكـ .
تحيتي .

سلطان الشهري
01-06-2009, 06:25 PM
أشكرك على هذا الطرح الجميل..

الزاخر بالوعي والذائقة الأدبية.



احترامي ..

ولاء كيال
01-06-2009, 06:54 PM
أشكرك على هذا الطرح الجميل..

الزاخر بالوعي والذائقة الأدبية.



احترامي ..



أ/ سلطان الشهري :

شكراً لعاطر المرور ..

لكـ خالص الود والتقدير (f)


تحياتي ...