المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( خرج ولم يعد ..! )


عائشـة الحسن
05-25-2008, 02:15 PM
لا تبصق في البحر .. وحده البحر من يسخر منك حين يشعرك بحقارة بصقك فيه ..!

لا أحتاج الليلة للبصق .. ما ترك الدوران من شارع إلى شارع .. ولا طرق الأبواب .. وتنقيب المستشفيات ومراكز الشرطة .. ماترك لي كل هذا الإنهاك أي طاقة أستجمع بها حيرتي أو أعصر بها همومي لأبصقها فيك أيها البحر ..
فقط أريد أن أستأذنك لأهبط من سيارتي .. أتمدد .. ألقي بي على قارعة شاطئ لطخه الباصقون ..
ويزفر الصدر بتنهيدة طويلة .. تأتي بطيف وجهه من الماء .. ليصب في أذني ذات العبارة التي كان يكررها عندما كنا نأتي إلى هنا زمن المراهقة :
" من يسخط على خيبته ... فليفر من اليابسة .. إلى صفحة ماء .. افرغ غيظك .. تخلص من قهرك
وابصق في البحر .. ابصق يا أيمن .. ابصق .. والعن اليابسة من خلفك .." .

لا زال صوته يرنّ في مخيلتي .. لازلت أراه يشاكس الموج ..يراوغ لطمه ولا يسقط .. يجذبني بحركاته اللامحسوبة .. ليبللني في الماء .. ويضحك .. يضحك .....

ينتفض الصوت وتتلاشى الصورة حين يستدعيني صوت الهاتف للعودة إلى السيارة لأجد رقم عمر :
ـ أهلا عمر
ـ أيمن هل وجدته ؟
ـ لا
ـ اتصلت الشرطة و....
ـ وماذا .. هل عثروا عليه ..؟!
ـ لم يعثروا على شيء .. هم يريدونك أن تمرّ بهم .. لتزودهم ببعض الأجوبة
ـ لمَ أنا بالذات ..؟ .. أنتَ الأخ .. وتملك من الأجوبة أكثر مما أملك
ـ أنت تعرفه أكثر مما أعرف
ـ أعرفه حين كان حاضرا في الماضي ..أما من وقت عودته فهو غائب غامض لا أعرف عن حاضره الشيء الكثير ..!
ـ أرجوك يا أيمن اذهب إليهم لربما وجدنا طرف خيط يقودنا إليه .. إنه اليوم السادس ....
اختنق صوت عمر .. وانقطع الاتصال ..

إنه اليوم السادس على اختفاء " سيف " كم كنت غبياً حين أعتقدته تذكرنا لكي يعود .. وإذ به يعود لكي يجعلنا ننسى كل مشاغلنا في الحياة ونتفرغ فقط لنتذكر غيابه .. ونعصر الذاكرة لنستحضر أي مكان نخمن بـ ربما لجأ إليه .. " لجأ " ياله من فعل يتطابق مع صورته الأولى عندما أستقبلته مع أهله في المطار بعد عودته من غربة طويلة لقد بدا فعلا وكأنه " لاجئ " ..
في هيئة أكبر سناً .. أثقل حملاً ..عاد شاحباً مزرقاً وكأنه ميت استيقظ من مقبرة .. شاكسته وقتها لأمتص فجيعة أهله بمنظره :
" سحقاً لأوروبا ياسيف .. إنها تمتصُّ الوسامة العربية .. لا عليك سأتبرع لك بمراسم عملية تجميل على حسابي "
ابتسم .. اسند رأسه إلى صدري .. أحتضنته .. وشعرت بضمي لخشبة .. كنت أعرفها سابقاً غصناً يانعاً تتفتق من عليه الحماسة والتفاؤل والحب والمستقبل .. المستقبل الذي كان يراه على الطرف الآخر
ليسافر ويتسمر هناك لسنين .. في كل مهاتفة بيننا كنت أعاتبه :
متى ستخلع نفسك من عندهم .. عد .. أهلك ووطنك في حاجة إليك .. ولن يسألونك عن أي شهادة فشلت في تحقيقها .. فقط عد .. نحن أولى بالفرح لنجاحاتك .. وأولى بتضميد خيباتك ..!

ويؤجل العودة .. يعتذر بالتورط في حبال الحياة هناك .. كنت أعرف هو يعمل .. تزوج .. لم ينجب .. طلق .. يلهو .. يعيش حياة بلا حدود كما كان يقول دوماً .


إلى مجيء اتصاله فجأة :

عائدٌ غدا ..!


وعاد .. ليجوب معي وجوه تعرفه ماعاد يعرفها .. شوارع تحن لخطوه ماعاد يذكرها .. أطعمة يعرف مسمياتها يستذوقها فقط ليستفرغها ..!
ـ ماهذا يا سيف .. أعرف بأنك مصاب الآن باحتقان الذاكرة وبالأعراض الانسحابية للعودة بعد إدمانك الاغتراب .. لكن ما دخل الطعام .. هل معدتك تنكرنا أيضاً ..!
لم يكن يرد .. خالجني الشك كما قالت والدته حين رأته أول مرة " سيف مريض" .. لكنه شك ما يلبث أن يزول حين أقنع نفسي بمرضه فقط من وحشة المكان .. وعدم قدرته على الانسجام معنا بعد ..
لم أرهقه بزحام الأسئلة .. لأني رأيتُ أمامي فسحة وقت أطول .. كنت أعطف عليه ليرتاح اليوم .. وأهدده بأكثر من غد قادم يكفي لعمر من الاستجواب .

وبعد أيام من عودته أكتشفت بأن لا غد سيكون فيه سيف .. بعد غد مؤلم جاء بصوت عمر إزعاج صباحي مبكر:
ـ أعتذر يا أيمن لإزعاجك .. هل سيف عندك ؟
ـ لا .. افترقنا مساء في منزلكم .
ـ أيمن .. سيف لم ينم في المنزل ..!!

وماعدنا نعرف إن نام بعدها أو استيقظ .. اختفى فجاة .. بدون سابق إنذار .. لم يحمل معه شيئاً غير جسده .. لا هوية .. لا حقيبة .. لا مال .. كل أغراضه في مكانها وأغلبها لم تفتح منذ هبط على الوطن
بدت غرفته في كامل حلتها كما أعدتها أمه لاستقبال مسافر .. بحثت فيها عن أي شيء قد يخبر بمكانه
ولم أجد سوى ورقة مطبقة بعناية مرمية بجوار سريره .. فتحتها .. قرأتها .. خبأتها في جيبي .. أغلقت غرفته وخرجت أجوب المدينة أبحث عنه إلى اليوم السادس ... ولاخبر ..!


لا خبر أيها البحر .. لا خبر .. !
آخر مكان فكرت فيه هو أنت .. قلت ربما جاء للبصق فيك .. ربما حنّ إلى هذه البقعة من الشاطيء
ولم أجده .. مابقي منه شيء غير هذه السطور .. لمَ خطها ؟.. ومتى ..؟ ولمن أراد إرسالها ..؟
لا أعرف .. كل ما أعرفه أن أعيد أقرأها وأقرأها وعقلي متجلط بها .. :

( نقلت الشرق إلى الغرب .. كل أنثى استنشقتني ماتت .. " شيلا " دوختها رائحة الصندل المحروق
" إيزبيلا " ملأت رئتيها بعبير قاتل .. " آند " كانت تستنشقني وكأنها تستنشق دخاناً مخدرا ..
رائحة الشرق جذبت نساء أوروبا إلى عالمي ..لأن الرائحة توحي ولا تقرر .. وهذا ما أردته الإيحاء فقط حتى استدرجهن إلى ما أريد وما أريده ماكان نهماً جسدياً ولا حباً للمرأة الغربية بقدر ماهو انتقام وثأر منهم لأني أقدمت على قتلهن جميعاً مع سبق الإصرار والترصد ..
خاصة اللعينة " جين " تلك التي حركت في داخلي العقدة صراحة حين كانت تقول لي :
" أنتَ بشع .. لم ارَ في حياتي وجه بشع كوجهك " و" أنتَ ثور همجي لا يكل من الطراد "
اللعينة المغرورة غرستُ السكين في صدرها في صدر الغرور الأوروبي الساخر من الانكسار العربي
لقد كنت أكرهها أرغب في إذلالها لأنها أوروبا بغرورها بقسوتها باستبدادها وسخريتها .. تزوجتها ولم أخصب .. الخصب على دمنهم عقيم .. الخصب خارج الوطن مستحيل .. الوطن الذي تركته ورحلت إليهم محملاً بماضي أمتي وليس بشخصي فقط .. دام العلاقة بيننا وبينهم متداخلة تحكمها الصراعات التاريخية والاقتصادية والسياسية والدينية كل هذا ضرب بجذوره بعيدا في رسم صورتهم في ذهني
صورة محكومة بالعدائية والحروب المتواصلة والخيبات المتراكمة .. سافرت لاختار الجنس والعنف سلاحاً أغزو به الغرب المستعمر للشرق ...
ويا لضآلة أسلحتي ووضاعتها أمام روح الغرب المتعالية وآلة الاستعمار المدمرة ..
رجعت إلى الوطن بعد غربة طويلة استهلكت عمري وقواي .. لاصطدم بشرق جديد ما عدت أعرفه .. الغربة أصبحت تسكنني من الداخل .. رحلت أقيم غريباً .. وعدت لأموت غريباًوكأنها ضريبة لا بد من دفعها حين قطعت المسافات الطويلة لأصل إلى قمة الانكسار والهزيمة .. وأعود لأجدني خرجتُ ولم أعد )



ولم يعد أيها البحر .. لم يعد سيف !!
هذه المرة العشرين التي أقرأها فيها .. أفتش عنه بين السطور وأراه مضرجاً بحكاية الانكسار كنت أشعر في شبابنا بروحه القومية العالية .. وبسخطه من الوضع من حولنا .. لكني لم أكن أتصوره حاملا لأغلال من القهر أدت به في النهاية إلى التخبط القاتل ..!


تعبت .. أرهقتني هذه الورقة .. سأنفجر .. سأصرخ ..
لأتقيأ ترسبات صوت سيف في هذه السطور على وجهك أيها البحر .. :
ما هكذا ياصديقي .. ليس بمنطقهم يا سيف .. ليس بمنطقهم .. منطق الغزو والعنف والاستعمار والخداع .. !!!
الشرق والغرب يا صديقي لا يلتقيان ..!!
لا يلتقيان ..!!

يبتلع البحر صراخي بدون اكتراث .. بدا هادئاّ .. ثقيل المد والجزر .. وكأنه يتجشأ بابتلاع شيء آخر وصل إليه قبل صوتي ..!!

أتمتم في نفسي :
يوما ما ستبصقك الحياة إلى البحر ..!!



عدت إلى عمر بعد أن قررت إخبارهم بأمر الورقة هي شاهد على اختفاء سيف بكل ملابساته ويجب أن تظهر بكل مافيها من عار..!

ـ عمر لدي شيء أريدك أن تطلع عليه ..
ـ أنا أيضاً أريد أن أخبرك بأمر .. لكن ارني أولا ..
ـ انظر إلى هذه الورقة
تتسع عينا عمر ليصرخ :
ـ أين وجدتها ...؟!
ـ وجدتها بجوار سرير سيف ليلة غيابه عن المنزل ..!
ـ يالهي .. يبدو أنها سقطت مني .. وقت انشغالنا بتفتيش غرفته
ـ ماذا .. سقطت منك ؟!
ـ نعم .. هي ورقة طلبها منا الأستاذ في الجامعة
ـ ماذا .. لا أفهم !!
ـ لقد كلفنا الأستاذ بإعداد ورقة يتقمص فيها كل واحد منا شخصية روائية يتحدث على لسانها .. أخترت " مصطفى سعيد " في " رواية موسم الهجرة إلى الشمال " ..
ـ مصطفى سعيد .. ماذا تقول ...؟!! ..... هل من كان على الورقة هو مصطفى سعيد أم سيف !!
ـ وما دخل سيف في الورقة ... فقط اسمع ما أريد قوله لك
ـ لا أريد سماع شيء ..رأسي يكاد ينفجر ... مصطفى سعيد وسيف .. والورقة هل كانت .. أنا ....
ـ ركز يا أيمن يكفي ما أنا فيه من ألم.. لقد عثرنا في حقيبة سيف على بعض الأوراق الطبية .. فهمنا منها بأن سيف مصاب بـ " بالسرطان " في مرحلة متقدمة .. !!
ـ ماذا .. سرطان ..؟!! أي سرطان ... ؟؟!! لا أفهم ... تقصد الغرب ؟!! ... أم الجسد ؟!! ... هل كان مصطفى سعيد؟!! .. أم سيف .. ؟؟!! .. رأسي .. يقصفني الدوار .. إلى أين ذهبا .. إلى أين ذهبا يا عمر .. إلى أين ..؟!!!!
ـ ذهبا ..؟!! .. من تقصد ..!!
ـ أقصد سيف و" ومصطفى سعيد " .. إلى أين .......؟!!!!!
*


رأس السنة الثالثة :
ـ هل عاد مصطفى سعيد .. عفوا أقصد سيف ... هل عاد ياعمر ؟!!
ـ لا .

خالد الشامخ
05-26-2008, 04:52 PM
رائعه ياعائشه
في كل مره تثبتين علو كعب موهبتك ( حتى وان لم تأخذنا اللغه للاعلى هذه المره ! )

عائشه لن تكونين كاتبه عادية
بل من طراز مختلف

لك اتمنى التوفيق

شذا الروح
05-26-2008, 07:27 PM
عائشه


طرح موفق يستدعي كل عبارات الاعجاب والتقدير

تحياتى

عائشـة الحسن
05-26-2008, 08:27 PM
رائعه ياعائشه
في كل مره تثبتين علو كعب موهبتك ( حتى وان لم تأخذنا اللغه للاعلى هذه المره ! )

عائشه لن تكونين كاتبه عادية
بل من طراز مختلف

لك اتمنى التوفيق

مرورك وتعليقك الكريم لوحده يرفع إلى الأعلى :)


ممتنة وشاكرة جدا لطيب اللفظ منكِ والتمني .

عائشـة الحسن
05-28-2008, 04:22 PM
عائشه


طرح موفق يستدعي كل عبارات الاعجاب والتقدير

تحياتى


وأنتِ ياشذا تستحقين كل حقول الورد (f)

شكرا لكِ دوماً:)

زاهرة
06-11-2008, 09:16 PM
ممتعة يا عائش ومختلفة
أتقنت تقمص الشخصيات، التصوير ، الحوارات
كل شيء ..
" مصطفى سعيد " في " رواية موسم الهجرة إلى الشمال " ..
أيهما كان دعاية للآخر حكايتك أم الكتاب ؟!
أما أنا فتشوقت لقراءة الرواية بعدكِ
العنوان ليس غريبا ;)

شكرا مرتين لقلمك وللدلالة
ووافر الشكر لك عائشة :)


* نعجز أحيانا موازاة الجمال ، لأجل ذلك تتكرر الزيارات دون صدى : زهرة