المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القلب واللسان واليد ومقومات التغيير


ابن رشد
05-10-2005, 09:03 AM
الله سبحانه وتعالى كان بقدرته الإلهية المطلقة

أن يقول للإنسان

( كن مؤمناً فيكون )

لكنه سبحانه وتعالى

اختار لنا الطريق الأفضل والأحسن لكي نؤمن

اختار لنا لُغَة العقل

لنستوعب بعقولنا أسرار أحكامه سبحانه وتعالى

فلغة العقل هى اللغة الدقيقة المُحكَمَة

لغة تحترم ذاتها وتُوَقِر صاحبها

بشرط أن نتفَكَر فيما وراء هذه اللغة

وما بين ثناياها

وألا نتسرع فى تفسير قد يقلب المعنى

فنتورط فى فتوى تكون حُجَة علينا

وهذه آفة الكثير من الناس.. ولكنهم لا يعلمون

ولأن العقل مناط التكليف

إستوقتني مشاهد العُنف والإرهاب الأخيرة في مصرنا الحبيبه

وفي الدول الإسلامية الأخرى

فسألت نفسي ماذا سيتسفيد هؤلاء من ترويع الآمنيين

وتيتيم الأطفال ونشرالذعر والخوف بين الناس

بحجة تغيير المنكر كما يدعون

وأسئلة أخرى شغلتني كثيراً

فبأي شيئ يكون التغيير ؟

وعلى من يقع الأمر في التغيير ؟

فكانت هذه الخواطر والتساؤلات التي دارت في نفسي

وهي بعنوان

القلب واللسان واليد

و

الكلمة الطيبة وأثرها في النفس ( كمدخل للتغيير )

فماهي الكلمة الطيبة

الكلمة الطيبة هي

هي التي تدخل القلب فتكون بذرة تتوالد فتصبح نوراً

ولكن

الطريق إلى معصية الله يكون أحياناً مفروشاً بكلمات أو نوايا طيبه

والخير قد يولد أحياناً من الشر

والشر قد يكون متخفياً وراء صورة جميلة أو كلمة طيبة

أو كلمة متداولة وشائعة بيننا

لذلك

يجب علينا أن نتحسس حروف الكلمات قبل نطقها

وأن نُمسِك أفعالنا قبل أن تُمسِك بنا

وانطلاقاً من هذا

فإن أكثر الأوامر شيوعا في حياتنا اليومية

هو

الأمر بالمعروف

فمن له الحق في توجيه هذا الأمر ؟

رُحنا جميعاً نُفرط في ( الأمر بالمعروف ) دون أن نعرف حدودنا

فدفعنا ثمن عدم معرفتنا بحدودنا غالياً

فساءت العلاقات بيننا.. وفسدت المعاملات بيننا في كل شيئ

وغُلِقَت جميع الطُرُق المفتوحة

إن مقومات الأمر بالمعروف

أن الإنسان لا يَأمُر إلا من أَمَرَه الله تعالى عليه

قال تعالى

http://www.alazhr.com/quran/image/20_132.gif

تماما كما في الحياة

فلا يستطيع صاحب عمل أن يأمر إلا من يعملون لديه

ولا يأمر موظفين في جهة عمل أخرى

ولا يستطيع مدير مدرسة أن يأمر إلا المدرسين الذين يعملون تحت إدارته

ولا يأمر مدرسين في مدرسة أخرى غير مدرسته

ولا يستطيع رجُل أن يأمر في غير بيته

وعليه فالأمر لا يكون

إلا على

من لك كلمة أو أمر عليه دون أن تتعدى هذه الحدود

ولو كان لأي إنسان الحق في الأمر

فيكون ذلك بالمعروف

قال تعالى

http://www.alazhr.com/quran/image/16_125.gif

أما النهي عن المنكر فلا يمكن أن يكون بالعُنف

فرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم

لم ينهى عن المنكر باستخدام القوة أو العُنف

وإقامة الحدود الشرعية ماهي إلا عقوبة على فِعْل

ولم تكُن نهيا عن فعل

وما هذه العقوبة إلا زجراً للآخرين

والزجر ليس تعنيفا وإنما هو النهي عن منكر

بغرض التعريف بشرع الله تعالى

وسُنة نبية صلى الله عليه وسلم

بالحكمة والموعظة الحسنة

ولنتعمق قيلاً

في قوله

صلى الله عليه وسلم

( إياكم والجلوس على الطرقات )

قالوا

يا رسول الله

مالنا من ذلك بُد

قال صلوات الله وسلامه عليه

( إن كان ولابد فأعطوا الطريق حقه )

قالوا

وما حق الطريق يا رسول الله

قال صلى الله عليه وسلم

غَضُ البصر وكف الأذى ورد السلام

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فتعالوا معي نتدارس سوياً

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم

أولاً

غض البصر

فغض البصر معلوم لنا جميعاً ولا يحتاج لتوضيح

ثانياً

رد السلام

فالسلام ليس مجرد كلمة تُقال

وإنما السلام عبارة عن إحساس بالطمأنينة والسكينة يشعربها الناس

ثالثاً

الأمر بالمعروف

يعني

النُصح بالابتعاد عن المنكر

ويجب هنا

أن نُفرِق بين معنيين

المعنى الأول

( الابتعاد عن المُنكَر )

والمعنى الثاني

( تغيير المُنكَر )

لأن الابتعاد عن المنكر شيء

وتغييره المنكر شيء آخر

فالنهي عن المنكر كالطب الوقائي

الذي ينصح بالوقاية من الأسباب المؤدية للأمراض

فالوقاية إذن خير من العلاج

وعليه فالطب الوقائي مرحلة تسبق مرض الإنسان

فإذا مرض الإنسان فليس للطب الوقائي أي دور معه

ويكون الدور هنا للطب العلاجي أو الجراحي

وهكذا

إذا وقع المُنكر بالفعل فلن ينفع النهي عنه

لأن النهي عن المُنكر سابق عليه

ومن هنا نجد أن علماء الدين

ينقسمون إلى قسمين

القسم الأول

يتمثل في خطباء المساجد والدعاة

ويقف دورهم عند النهي عن المنكر

ونُصح الناس وتوضيح الشرع

أما القسم الثاني

فهم

ورثة الأنبياء

وهم الذين فتح الله تعالى عليهم بعلم من عنده

كالشيخ شعراوي مثلاً رحمة الله عليه

فيكونوا قادرين على علاج القلوب وشفائها وتطهيرها من الدنس

قال تعالى في مُحكَم كتابه

http://www.alazhr.com/quran/image/3_110.gif

ويقول صلى الله عليه وسلم

من رأى منكم منكرا

فليغيره بيده

فإن لم يستطع

فبلسانه

فإن لم يستطع

فبقلبه

وذلك أضعف الإيمان

صلوا على رسول الله

وأعيروني انتباهكم وعقولكم فيما هو آتٍ لأنه يحتاج إلى تعَمُق

الحديث الشريف أعلاه

استُخْدِمَ استخداماً خاطئاً من قِبَل البعض

وربما استخدموه بحُسن نية

أو بتسطيح ألفاظه وعدم التعمُق فيها

فكانت النتيجة هذا العُنف والإرهاب الذي نراه هنا وهناك

الذي كان من شأنه ترويع الآمنين وقتلهم بدون وجه حق

ولنتعمق سوياً في نص الحديث الشريف

لعلنا نخرج بنتيجة

يلاحظ

أن

صيغة الأمر في الحديث الشريف

موجهة إلى

( منكم )

و ( منكم ) هنا تعني التخصص

فماهو التخصص

التخصص

على سبيل المثال

كأن نقول

من رأى منكم سيارة مسرعة فليوقفها

فالأمر هنا

لـ ( ضباط المرور )

أو نقول مثلاً

من رأى منكم مريضا فليعالجه

فالأمر هنا لـ ( الأطباء )

نخرج من هذا

أن شرط تنفيذ الأمر

يكون للشخص القادر على تغيير المنكر

بوسائله الثلاثة

( اليد واللسان والقلب )

فإن لم يستطع بيده

فبلسانه

فإن لم يستطع

فبقلبه هو لا بقلب غيره

إذن هذا الشخص يمتلك كل مقومات التغيير

ولأنه من النادر أن نجد مثل هذا الشخص في عصرنا هذا

فتكون

كلمة " منكم "

محصورة فقط فيمن يملك المقومات الثلاثة للتغيير

وليست لكل من هب ودب

نأتي بعد ذلك إلى

ترتيب القوة

وهي

( قوة تغيير المنكر )

فهي

حسب فهمنا المحدود لها

حسب الترتيب التالي

( اليد )

ثم

( اللسان )

ثم

( القلب )

وهذا يعني في مفهومنا

أن

اليد أقوى من اللسان

واللسان أقوى من القلب

ابن رشد
05-10-2005, 09:09 AM
وحسب فهمي أنا الذي يحتمل الخطأ طبعاً قبل الصواب

فإن هذا الترتيب غير منطقي

فلا يُمكن بأي حال من الأحوال

أن يكون القلب هو أضعف الإيمان

لأن الإيمان هو

ما وقر في القلب وصدقه العمل

والعمل إما باليد أو باللسان

وبناءً عليه

فإن القلب هو الأقوى

ومنطقياً

فإن وسائل تغيير المنكر

تتدرج من الأضعف إلى الأقوى

وليس

من الأقوى إلى الأضعف

بحيث

لو فشل الأضعف في التغيير

يأتي القوي

ولو فشل القوي

يأتي الأقوى

ولو فشل الأقوى

يأتي الأشد قوة

ولتقريب ذلك إلى الأذهان

أقول

مثلاً

أنا لا أستطيع حَمْل هذه الثلاجة

فإن لم يستطع من هو أقوى مني حملها

يأتي من هو أقوى منا نحن الإثنين ليحملها

فإذا كان الأمر كذلك

فما الذي جعل الناس تستسهل الترتيب الخاطئ ؟

لقوة التغيير

( اليد ثم اللسان ثم القلب )

فلوعُدنا للحديث الشريف

وتعمقنا بعقولنا

قوله صلى الله عليه وسلم

من رأى منكم منكرا فليغيره بيده

فإن لم يستطع فبلسانه

فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان

فسنجد أن

اللفظ

" ذلك "

إسم إشارة يعود على البعيد لا القريب

إذن هو يعود على اليد وليس على القلب

فلو استبدلنا مثلاً إسم الإشارة ( ذلك )

إلى ( هذا )

وقلنا

( وهذا أضعف الإيمان )

لكان القلب هو الأضعف

علماً بأن القلب إذا كان متحصناً بالله تعالى

فسيكون قوياً فيتجاوز قوة اليد

ولتقريب ذلك للأذهان

تعالوا معي إلى قصتين مختلفتين

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أصنام قومه

وقصة رسولنا الكريم

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع الأصنام

فأما عن سيدنا إبراهيم عليه السلام

فإن سيدنا إبراهيم لما كسر بيده

الأصنام التي كان عليها قومه عاكفين

لم يمنع هذا الكسر قومه من عبادتها

بل أعادوا صُنعها لتكون أشد صلابة

أما رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام

فلما دخل الكعبة المُشرَفَة بعد فتح مكة

لم يكسر الأصنام كسراً مادياً أولاً

واعلموا جميعاً

أن الكسر نوعان

إما مادي وإما معنوي

وأما الكسر المادي

فهو أن تكسر زُجاجة مثلاً أو أي شيئ ملموس

وأما المعنوي

فنجده متمثلاً

في قوله صلى الله عليه وسلم

في عيسى عليه السلام كشرط من أشراط الساعة العظمى

والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم

حكماً عدلاً فيكسر الصليب... إلى آخر الحديث

فالكسر هنا كسراً معنوياً

بمعنى أن عيسى عليه السلام سيأتي آخر الزمان

وسيُبَيَن لهم ( أي النصارى )

أن العلامة التي اتخذوها رمزاً لهم ( الصليب )

ليس لها أساس من الصحة

وهكذا فالرسول صلى الله عليه وسلم

لما دخل الكعبة بعد فتح مكة

نزع احترام هذه الأصنام من قلوب الناس أولاً

أي كسرها معنوياً في قلوبهم

لأنه لن يفيد كسرها مادياً قبل كسرها معنوياً

وبذلك يكون صلى الله عليه وسلم

قد غَيَرَ هذا المنكر ( عبادة الأصنام )

بقلبه القوي المُتحَصِن بالله تعالى

فأمَر بالمعروف ونهى عن المُنكر وصَبَر

فغَيَر قلوب الذين كانوا يعبدون الأصنام

فماتت أصنامهم في قلوبهم وهي اقفة في مكانها

ولذلك

فإن

القول

( أضعف الإيمان )

عائد على اليد وليس على القلب

وأن

من أُمِروا في الحديث الشريف بالتغيير

لم يُكَلَفوا فوق طاقاتهم

يقول تعالى

http://www.alazhr.com/quran/image/2_286.gif

فالمأمورون في الحديث الشريف

هم

الذين اجتمعت لهم مقومات التغيير الثلاثة

( اليد ) و ( اللسان ) و ( القلب )

فلم تؤمر فئة بالتغيير ( باليد )

وفئة أخرى بالتغيير ( باللسان )

وفئة ثالثة بالتغيير ( بالقلب )

فالمأمورين بالتغيير لابد أن تجتمع فيهم المقومات الثلاثة

وفي حدود استطاعتهم وقدرتهم

فالحكيم من يضع الشيء في موضعه الصحيح

فالحكمة إذا أُعْطَت لغير أهلها فهذا ظلم للحكمة

وإذا حُجِبَت عن أهلها فهذا ظلم لأهل الحكمة

وبناءً عليه

لا يجب علينا أن نتسطح في تفسير الحديث الشريف

ولا بد من التعمق فيه

وإلاهلكنا جميعاً

وهذا ما حدث وما يحدث الآن فيما نرى من عنف وإرهاب

حيث أخذ البعض من هذا الحديث سنداً شرعياً لهم

فيما يفعلون وما يرتكبون من جرائم تُرَوِع الآمنين

فالعنف ليس له مجال في الحديث الشريف

فالعنُف من شأنه أن يتبعه الشغب فيقع الضرر

فمن أخذا هذا الحديث سنداً شرعياً له

في العنف

فهو ببساطة شديدة

لم يستوعب جيداً

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

كما في

قوله الله تعالى

http://www.alazhr.com/quran/image/3_159.gif

فهذه هي أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

أحْسَن وأفضل من أمَرَ بالمعروف ونهى عن المنكر

وقام بتغييره

و

http://www.ozkorallah.net/img_design/salat2.gif

مــــلاك
05-23-2005, 11:37 PM
اخي الكريم

ابن رشد

موضوع قمة في الروعه

الف شكر لك

ننتظر المزيد والمزيد منك

اختك / ملاك

غرياف
06-04-2005, 12:17 AM
الأح الفاضل
( ابن رشد )

"
"
"

جميل ما تطرقت إليه من شرح للحديث الذي دار حوله محور الموضوع
(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)

ولكني أفضل دائماً الاستعانة بالكتب المختصة في شروحات الحديث كـكتاب " سبل السلام " ليس قصوراً بمجهودك الذي تشكر عليه ، ولكنها المراجع الأساسية والتي يجب علينا أن نتتلمذ عليها


دمت بخير

أحـمد السميري
06-05-2005, 02:58 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تــحـــيه طـــيـــبه ,,,

((( ابن رشـــــد))) ....

يــسـلـمـووووااااا على المــشـــاركـــه الاكــثر من رائعـــــه ...!!!!

أن شـــاء الله فى مــــوازين حسنــاتك ...,,,

شاكر لكـ كل كلمه وحرفـ
الله لايهينكـ

ولايخلينا من شخصك الراقي
لك كل الود والاحترام


تحياتي الخالصه ...

ابن فلسطين
08-31-2005, 01:47 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


شكراً لك اخي الكريم على هذا المقال

الموضوع يستحق التثبيت

والله عنجد

بلا مجاملات
...



راااااائع

محمد