ابن رشد
05-03-2005, 09:01 AM
تابعت في إحدى المنتديات حوار بين أخوين مشهود لكليهما بالعلم الغزير
وكلاهما نال من الدرسات العليا ما نال في مجال الشريعة الإسلامية
وكان حوارهما حول تفسير
قوله الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31)
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32)
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
ففي الآيات الكريمة المذكورة أعلاه حدث خلاف في الرأي بينهما
وأيضاً كانت الآيات الكريمة المذكورة موضع خلاف
بين الكثير من أهل التفسير
وفحوى الخلاف بينهم
أن منهم من يرى أن سليمان عليه السلام
كان يُحِب الخيل حباً شديداً
وأنه لما كان يستعرض هذه الخيل وينظر إلى تسابُقها
ضاعت عليه صلاة العصر نتيجة هذا الحب للخيل ومراقبة السباق
ويقولون أيضاً
أن سليمان عليه السلام نَدِمَ
وطلب بأن تُرَد عليه الخيل فَقَطَع أرجُلها
ولما اشتد الخلاف بينهما ولم يستطيع أحدهما أن يُقنِع الآخر
وجدتني مضطراً لدراسة النص القرآني لعلي أجد تفسيراً
يكون فيه الفصل بينهما
وعلى قدر فهمي وعلى قدر إدراكي المحدود
استغرق هذا البحث مني وقتاً ليس بالقصير
ولما انتهيت استعنت بالله تعالى على الطرح
فكان ( فهمي ) للآيات الكريمة
كما يلي
مع ملاحظة
أني قلت ( فهمي ) ولم أقُل تفسيري لأني لست من أهل التفسير
وفهمي يحتمل الخطأ قبل الصواب
وإن شئت قُل حوار بيني وبين نفسي
أنقله إليكم
يقول تعالى
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31)
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32)
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
فلنتأمل سوياً
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
أي كثير الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ
في تفسير هذه الآيات
ذهب المفسرون إلى أن سليمان عليه السلام
كان يُحِب الخيل حباً شديداً وأنه لما كان يستعرض هذه الخيل
وينظر إلى تسابُقهاضاعت عليه صلاة العصر
نتيجة هذا الحب للخيل ومراقبة السباق
ويقولون أيضاً
أن سليمان عليه السلام نَدِمَ فقطع أرجُل الخيل
وأنه طلب بأن تُرَد عليه
( رُدُّوهَا عَلَيَّ )
وإني فهمت أنه لم يَصِحُ شيء من هذا
لأن النص القرآني لا يقبل مثل هذه التفسيرات
ولذلك علينا أن نعود إلى النص القرآني
لأن كل ما جاء من تفسيرات ماهي إلا محاولات لفهم النص
وإذاً لابد أن نرجع للنص نفسه
في محاولة لتقريب التفسير قدر فهمنا المحدود
لأن هذا الكلام هو كلام الله تعالى
ولذلك سنبقى بإدراكنا المحدود
نأخذ على قدر هذا الإدراك من علم الله غير المحدود
( وصف صافنات )
هو
أن الحًصان ينام واقفاً في صبر وهدوء عميق
ويُقابل وصف صافنات ( الجياد )
( وصف الجياد )
هو
إما أن نرى الخيل في حالة صمتها ونومها واقفة
وإما أن نراها متفجرة الحيوية والنشاط
فهي إذاً تنتقل من حالة إلى حالة
أو من النقيض إلى النقيض
من كونها صامتة وقورة هادئة
إلى كونها متفجرة بالحركة والحيوية والنشاط
فهذه صفات الخيل والتي نلاحظ فيها أنها متناقضة
وعليه فنحن أمام حالتين
(حالة الصمت )
يقابلها
(حالة الجياد )
المتفجرة بالحيوية والنشاط
وفهمي أن هذا له علاقة بالآيات التي سترد فيما بعد
فمثلاً
عندما قال الله تعالى
( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ )
فلابد من علاقة
بين
( صافنات )
و
(وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب )
ثم
جياد والآيات التي تلي
(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ )
فلماذا بالعشي ؟
هذه قضية تُلفِت الانتباه إلى أن القرآن الكريم
بل كل حرف من حروفه لابد من ورائه سِر
( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ )
ويذهب كثير من المفسرون
إلى أن سليمان عليه السلام فرط ناسياً في صلاة العصر
بمراقبة الخيل وفهمي أن هذا غير صحيح
وما نجد مُلفِتاً في النص
أنه قال
( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ )
فالمُلفِت
قول الله تعالى على لسان سليمان
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وهو لم يذكر
( إني أحببت الخير )
بل قال
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وعليه فالمرحلة الأرقى من حب الخير
هي
( أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
فقد نُحب الخير
ولكن إذا ارتقينا في التربية
وفي التقرُب إلى الله تعالى
نُصبح ليس مُحبين للخير فقط
بل
محبين لحب الخير
فمثلاً الإنسان الخَيِر يحب كل من يحب الخير
أي محباً لحب الخير وليس محباً للخير فقط
وهذه هي المرحلة الأرقى من مجرد حب الخير
والإنسان المؤمن يجد نفسه في مرحلة من مراحل ارتقاءه
أنه مهتماً بأولئك الذين يحبون حب الخير
وهذا نجده منسجماً تمام الانسجام مع المقدمة
( إِنَّهُ أَوَّابٌ )
ثم تعرض لنا الآيات الكريمة
أن سليمان عليه السلام في العشي
عُرِضت عليه الصافنات الجياد
فلما عُرِضَت عُرِضَت عليه بصورتها الجميلة
قال
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وفهمي أن عرض الصافنات الجياد في العشي
لم يكن مقصوداً بها مسابقات الخيل
وإنما المقصود أن سليمان عليه السلام
كان يودِع الجيش عندما يخرج في سبيل الله
فكان إما أنه يستعرض وإما أنه يودع الجيش عند تحركه
وعليه عندما رأى سليمان عليه السلام
فرسانه يركبون الخيل ذاهبين في سبيل الله
وكان ذلك في العشي
وهذه اللحظات ( لحظات العشي )
هي التي اشتُهِرَ فيها سليمان عليه السلام
ووالده من قبل داوود عليه السلام بذكر الله والتعبُد له في العشي
ويبدو أيضاً أن سليمان عليه السلام
كان يتعبد بإرسال الجيوش في سبيل الله
فلما عُرِضَت عليه بالعشي
وهذا هو مفهوم
أن يكون بداية السفر أحياناً والانطلاق بعد أن يَخِف وهَج الشمس
وتُقارِب إلى المغيب وتنطلق الجيوش في لحظات الأصل فيها
أن يكون الإنسان مُسَبِحاً مُستغفِراً مُتَعَبِداً لله سبحانه وتعالى
إذاً سليمان عليه السلام كان يتعبد لله سبحانه وتعالى
بإرسال الجيوش في سبيل الله
فهو عليه السلام عندما عُرِضَت عليه
عَبَر عن حُبِه الشديد ليس للخير فقط
وإنما عن كل حب الخير
فقال
( إني أحببت حب الخير )
فهو عليه السلام يحب كل ماهو خير
ويحب حب الخير
ويبدو أنه كان هناك من جنوده عليه السلام
من كان يظهر عليهم الاندفاع في سبيل الله
فقال
( إني أحببت حب الخير )
وأما
( عن ذكر ربي )
فإن ما جاء في بعض كُتُب التفسير
يتناقض مع شخصية سليمان عليه السلام
لأنه عليه السلام لم يفَرِط في صلاة العصر
ولا في غير صلاة العصر
إذاً ما معنى
قوله
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )
ولتقريب ذلك إلى الأذهان
أقول مثلاً
عندما نقول في اللغة العربية
( الزاخر يتكلم عن علم )
( ومطر الجرواني ينظر عن علم )
إذاً هناك مقدمة .. وهناك نتيجة
( فيتكلم عن علم ) المقدمة هنا هي ( العلم )
والنتيجة هي ( الكلام ) في حالة الزاخر
وهي ( النظر ) في حالة مطر الجرواني
إذاً سليمان عليه السلام
يتكلم عن علم ويتحدث عن خبرة ويمارس عن ثقة
فيكون قوله
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )
ناتجاً عن كثرة ذكر الله
وعليه فإن
( حب حب الخير )
يكون نتيجة من نتائج ذكر الله
ومناسب جداً أن يختار سليمان عليه السلام
الأوقات التي يُستَحب فيها ذكر الله
وهي ( بالعشي ) لتنطلق فيها جيوشه
ثم عبر سليمان عليه السلام
عن فرحته بما يراه في وجوه فرسانه
من رغبة في سبيل الله
وانطلاقهم ونشاطهم لرفع كلمة الله تعالى
ولذلك قال
إني أحببت حب الخير
وهذا ناتج عن ذكر ربي
وعليه يمكن أن نقول اليوم
لمن يريد أن يرتقي
عليك أن تذكُر الله كثيراً
لأن ذكر الله ينتُج عنه أمور كثيرة
منها
أنك تُصبِح ليس محباً للخير فقط بل محباً لحب الخير
ثم نأتي إلى
فلما توارت الخيل بالحجاب
أي ذهبت قليلاً فحجبها شئ عن عين سليمان عليه السلام
وقد يكون الحجاب تلال أوشجر
فلنا أن نتخَيَل هذا الموقف
كيف أن سليمان عليه السلام
يقف ينظر في محبة شديدة
لانطلاقة فرسانه في سبيل الله
وهم يجرون بين يديه
أنه نظر وقلبه مُتَعَلِق بهم
فلما تواروا ( أي توارى الجيش )
عن نظر سليمان بدا له شيء
أو كان تلهفه الشديد
جعله يقول
( رُدُّوهَا عَلَيَّ )
وكلاهما نال من الدرسات العليا ما نال في مجال الشريعة الإسلامية
وكان حوارهما حول تفسير
قوله الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31)
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32)
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
ففي الآيات الكريمة المذكورة أعلاه حدث خلاف في الرأي بينهما
وأيضاً كانت الآيات الكريمة المذكورة موضع خلاف
بين الكثير من أهل التفسير
وفحوى الخلاف بينهم
أن منهم من يرى أن سليمان عليه السلام
كان يُحِب الخيل حباً شديداً
وأنه لما كان يستعرض هذه الخيل وينظر إلى تسابُقها
ضاعت عليه صلاة العصر نتيجة هذا الحب للخيل ومراقبة السباق
ويقولون أيضاً
أن سليمان عليه السلام نَدِمَ
وطلب بأن تُرَد عليه الخيل فَقَطَع أرجُلها
ولما اشتد الخلاف بينهما ولم يستطيع أحدهما أن يُقنِع الآخر
وجدتني مضطراً لدراسة النص القرآني لعلي أجد تفسيراً
يكون فيه الفصل بينهما
وعلى قدر فهمي وعلى قدر إدراكي المحدود
استغرق هذا البحث مني وقتاً ليس بالقصير
ولما انتهيت استعنت بالله تعالى على الطرح
فكان ( فهمي ) للآيات الكريمة
كما يلي
مع ملاحظة
أني قلت ( فهمي ) ولم أقُل تفسيري لأني لست من أهل التفسير
وفهمي يحتمل الخطأ قبل الصواب
وإن شئت قُل حوار بيني وبين نفسي
أنقله إليكم
يقول تعالى
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ(31)
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ(32)
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
فلنتأمل سوياً
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
أي كثير الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ
في تفسير هذه الآيات
ذهب المفسرون إلى أن سليمان عليه السلام
كان يُحِب الخيل حباً شديداً وأنه لما كان يستعرض هذه الخيل
وينظر إلى تسابُقهاضاعت عليه صلاة العصر
نتيجة هذا الحب للخيل ومراقبة السباق
ويقولون أيضاً
أن سليمان عليه السلام نَدِمَ فقطع أرجُل الخيل
وأنه طلب بأن تُرَد عليه
( رُدُّوهَا عَلَيَّ )
وإني فهمت أنه لم يَصِحُ شيء من هذا
لأن النص القرآني لا يقبل مثل هذه التفسيرات
ولذلك علينا أن نعود إلى النص القرآني
لأن كل ما جاء من تفسيرات ماهي إلا محاولات لفهم النص
وإذاً لابد أن نرجع للنص نفسه
في محاولة لتقريب التفسير قدر فهمنا المحدود
لأن هذا الكلام هو كلام الله تعالى
ولذلك سنبقى بإدراكنا المحدود
نأخذ على قدر هذا الإدراك من علم الله غير المحدود
( وصف صافنات )
هو
أن الحًصان ينام واقفاً في صبر وهدوء عميق
ويُقابل وصف صافنات ( الجياد )
( وصف الجياد )
هو
إما أن نرى الخيل في حالة صمتها ونومها واقفة
وإما أن نراها متفجرة الحيوية والنشاط
فهي إذاً تنتقل من حالة إلى حالة
أو من النقيض إلى النقيض
من كونها صامتة وقورة هادئة
إلى كونها متفجرة بالحركة والحيوية والنشاط
فهذه صفات الخيل والتي نلاحظ فيها أنها متناقضة
وعليه فنحن أمام حالتين
(حالة الصمت )
يقابلها
(حالة الجياد )
المتفجرة بالحيوية والنشاط
وفهمي أن هذا له علاقة بالآيات التي سترد فيما بعد
فمثلاً
عندما قال الله تعالى
( وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ )
فلابد من علاقة
بين
( صافنات )
و
(وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب )
ثم
جياد والآيات التي تلي
(إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ )
فلماذا بالعشي ؟
هذه قضية تُلفِت الانتباه إلى أن القرآن الكريم
بل كل حرف من حروفه لابد من ورائه سِر
( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ )
ويذهب كثير من المفسرون
إلى أن سليمان عليه السلام فرط ناسياً في صلاة العصر
بمراقبة الخيل وفهمي أن هذا غير صحيح
وما نجد مُلفِتاً في النص
أنه قال
( فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ )
فالمُلفِت
قول الله تعالى على لسان سليمان
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وهو لم يذكر
( إني أحببت الخير )
بل قال
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وعليه فالمرحلة الأرقى من حب الخير
هي
( أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
فقد نُحب الخير
ولكن إذا ارتقينا في التربية
وفي التقرُب إلى الله تعالى
نُصبح ليس مُحبين للخير فقط
بل
محبين لحب الخير
فمثلاً الإنسان الخَيِر يحب كل من يحب الخير
أي محباً لحب الخير وليس محباً للخير فقط
وهذه هي المرحلة الأرقى من مجرد حب الخير
والإنسان المؤمن يجد نفسه في مرحلة من مراحل ارتقاءه
أنه مهتماً بأولئك الذين يحبون حب الخير
وهذا نجده منسجماً تمام الانسجام مع المقدمة
( إِنَّهُ أَوَّابٌ )
ثم تعرض لنا الآيات الكريمة
أن سليمان عليه السلام في العشي
عُرِضت عليه الصافنات الجياد
فلما عُرِضَت عُرِضَت عليه بصورتها الجميلة
قال
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ )
وفهمي أن عرض الصافنات الجياد في العشي
لم يكن مقصوداً بها مسابقات الخيل
وإنما المقصود أن سليمان عليه السلام
كان يودِع الجيش عندما يخرج في سبيل الله
فكان إما أنه يستعرض وإما أنه يودع الجيش عند تحركه
وعليه عندما رأى سليمان عليه السلام
فرسانه يركبون الخيل ذاهبين في سبيل الله
وكان ذلك في العشي
وهذه اللحظات ( لحظات العشي )
هي التي اشتُهِرَ فيها سليمان عليه السلام
ووالده من قبل داوود عليه السلام بذكر الله والتعبُد له في العشي
ويبدو أيضاً أن سليمان عليه السلام
كان يتعبد بإرسال الجيوش في سبيل الله
فلما عُرِضَت عليه بالعشي
وهذا هو مفهوم
أن يكون بداية السفر أحياناً والانطلاق بعد أن يَخِف وهَج الشمس
وتُقارِب إلى المغيب وتنطلق الجيوش في لحظات الأصل فيها
أن يكون الإنسان مُسَبِحاً مُستغفِراً مُتَعَبِداً لله سبحانه وتعالى
إذاً سليمان عليه السلام كان يتعبد لله سبحانه وتعالى
بإرسال الجيوش في سبيل الله
فهو عليه السلام عندما عُرِضَت عليه
عَبَر عن حُبِه الشديد ليس للخير فقط
وإنما عن كل حب الخير
فقال
( إني أحببت حب الخير )
فهو عليه السلام يحب كل ماهو خير
ويحب حب الخير
ويبدو أنه كان هناك من جنوده عليه السلام
من كان يظهر عليهم الاندفاع في سبيل الله
فقال
( إني أحببت حب الخير )
وأما
( عن ذكر ربي )
فإن ما جاء في بعض كُتُب التفسير
يتناقض مع شخصية سليمان عليه السلام
لأنه عليه السلام لم يفَرِط في صلاة العصر
ولا في غير صلاة العصر
إذاً ما معنى
قوله
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )
ولتقريب ذلك إلى الأذهان
أقول مثلاً
عندما نقول في اللغة العربية
( الزاخر يتكلم عن علم )
( ومطر الجرواني ينظر عن علم )
إذاً هناك مقدمة .. وهناك نتيجة
( فيتكلم عن علم ) المقدمة هنا هي ( العلم )
والنتيجة هي ( الكلام ) في حالة الزاخر
وهي ( النظر ) في حالة مطر الجرواني
إذاً سليمان عليه السلام
يتكلم عن علم ويتحدث عن خبرة ويمارس عن ثقة
فيكون قوله
( إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي )
ناتجاً عن كثرة ذكر الله
وعليه فإن
( حب حب الخير )
يكون نتيجة من نتائج ذكر الله
ومناسب جداً أن يختار سليمان عليه السلام
الأوقات التي يُستَحب فيها ذكر الله
وهي ( بالعشي ) لتنطلق فيها جيوشه
ثم عبر سليمان عليه السلام
عن فرحته بما يراه في وجوه فرسانه
من رغبة في سبيل الله
وانطلاقهم ونشاطهم لرفع كلمة الله تعالى
ولذلك قال
إني أحببت حب الخير
وهذا ناتج عن ذكر ربي
وعليه يمكن أن نقول اليوم
لمن يريد أن يرتقي
عليك أن تذكُر الله كثيراً
لأن ذكر الله ينتُج عنه أمور كثيرة
منها
أنك تُصبِح ليس محباً للخير فقط بل محباً لحب الخير
ثم نأتي إلى
فلما توارت الخيل بالحجاب
أي ذهبت قليلاً فحجبها شئ عن عين سليمان عليه السلام
وقد يكون الحجاب تلال أوشجر
فلنا أن نتخَيَل هذا الموقف
كيف أن سليمان عليه السلام
يقف ينظر في محبة شديدة
لانطلاقة فرسانه في سبيل الله
وهم يجرون بين يديه
أنه نظر وقلبه مُتَعَلِق بهم
فلما تواروا ( أي توارى الجيش )
عن نظر سليمان بدا له شيء
أو كان تلهفه الشديد
جعله يقول
( رُدُّوهَا عَلَيَّ )