المرحبانية
10-15-2004, 12:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
تعاقب الأنبياء والرسل
نبدأ بأسماء الأنبياء والمرسلين وفقا لما جاء في القرآن الكريم، حيث قال تعالى :
{ قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيـسى وما أوتـي النبـيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } (سورة البقرة، الآية 135). { إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } (سورة آل عمران، الآية 33). { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكَلَّمَ اللَّه موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيزاً حكيماً } (سورة النساء، الآيات 164-162). { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكُلا فضَّلنا على العالمين } (سورة الأنعام، الآيتان 87-86). { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلّ من الصابرين } (سورة الأنبياء، الآية 84).
آدم أبو البشر
إن أول هؤلاء الأنبياء هو آدم أبو البشر. وقد أنزله اللّه من الجنة ليعيش في جـزء مـن المـعمورة، فما هي تلـك الجنة، هل كانت جنة المأوى أم إحدى جنات الدنيا ؟
يرى الإمام أبو حنيفة، تبعاً لما رواه ابن عباس، وقد أدرجه القاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره : أن آدم كُلِّفَ مع حواء بعدم الأكل من الشجرة، والحياة في جنة المأوى لا تكليف فيها، وكيف يصل إليهما إبليس فيوسوس لهما إذا كانا في جنة المأوى وهي محرمة عليه ؟ وكيف يوسوس لهما أن سبب منعهما هو الحرمان من أن يكونا من الخالدين، ومعلوم أن الحياة في جنة المأوى خالدة ! وذلك المفهوم ورد أيضاً في العهد القديم(4).
عـن أبي أمامة أن رجـلا قال : يا نبي اللّه أوَنَبِيٌّ كان آدم ؟ قال : نعم نبيٌّ مُتَكَلِّمٌّ. قال، قلت : يا رسول اللّه كم وَفَّى عدة الأنبياء ؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيراً(5).
وورد في سفر التكوين أن آدم عاش عند منابع دجلة والفرات حيث أسكنه اللّه شرقي جنة عدن، فاضطر للكفاح من أجل الحياة ففلح الأرض وتزوج وَوُلِدَ له، وانطلق منذ ذاك الحين تعمير الأرض(6).
وقد واجه آدم أول محنة عندما قتل أحد ابنيه وهو قابيل أخاه هابيل. وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده قوله، عليه الصلاة والسلام : >لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أول من سَنَّ القتل<(7).
إدريس
هو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل، أُعْطِيَ النبوة بعد آدم وشيث، وقيل إنه قد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثماني (308) سنوات.
ولد ببابل على الأصح، ولما أوتي النبوة انطلق بالدعوة إلى دين اللّه، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفة شريعة اللّه التي حملها من قبله آدم وشيث، فخالفه جمع غفير. وهنا بدأت الدعوة تنتقل من جهة إلى أخـرى مـن أنـحاء المـعمور، فـرحل إدريس إلى مصر يدعو إلى مـكـارم الأخــلاق طـــوال اثنــتـين وثـــمانين ســـنة، ثــم رفـــعه الـلّـه إلــيـه : { ورفعناه مكاناً علـيّـا } (سورة مريم، الآية 57). وبدأ العلم والحكمة يتبلوران في عهده، فكان أول من كتب بالقلم وبحث في علم الهيئة والتنجيم. وقيل إنه لَقَّنَ الناس علم السياسة المدنية بعد ما أنشأ مائة وثماني وثمانين (188) مدينة. ولعل هذا من الإسرائيليات مما كان يقصّه أهل الكتاب من حكايات توارثوها عبر الأجيال، وظلت على ألسنتهم بعد أن أسلموا، ثم دونت في كتب قصص الأنبياء(8).
وقيل إن إدريس هذا هو المسمى إلياس، الذي عرف باسم أخنوخ في سفر التكوين (5-24) وسماه الحكماء "هرميس الهرامسة" وزعموا أنه ولد في منف بمصر ومنها خرج ليجوب في المعمورة. وله آداب ورموز حِِكمية، دعا فيها إلى الاهتمام بعلم الفلك (خاصة رؤية الهـلال وحركة البروج). ومن آدابه وحِكَمه ما تناقلته الأجـيال من مخـتلف النـحل، مثل : >خير الدنيا حسرة وشرها الندم< و>حياة النفس الحكمة وتحريم الخمر<، وغير ذلك. وقد نُسِبَ إليه زوراً بناء الأهرامات، وزعم المفترون أنه صور فيها جميع الصناعات والآلات حرصاً على تخليدها. وكل هذا مخالف لما ورد في التاريخ(9).
وينقل ابن جرير رواية أخرى، وهي أن إلياس هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزران بن هارون. فيكون على ذلك من أنبياء بني إسرائيل الذين دعوا إلى نبذ عبادة الأصنام، وخلفه اليسع رسول اللّه، وكانت رسالته لأهل بعلبك غربي دمشق الذين كانوا يعبدون صنماً يسمى بعلاً(10).
نوح
هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، ويسمى أبو البشر الثاني. كانت الأوامر أو القوانين السبعة التي أوحيت إلى نوح، عليه السلام، بعد الطوفان تدعو إلى : اجتناب الشرك باللّه، وقتل النفس بغير حق، والقذف، والنكاح الحرام، والسرقة، وأكل اللحم بروحه ودمه(11)، والدعوة إلى إقرار نظام شرعي للإنسانية. فهذه الأوامر قد سبقت الأوامر العشرة التي أوحاها اللّه تعالى إلى موسى، عليه السلام، حسب العهد القديم، عندما كَلَّمَهُ في طور سيناء.
وقد أكد مفكران معاصران يهوديان هما : "Moses Mendelssohn" و"Herman Cohen"، أن أوامر نوح هي الأساس الخُلُقِي للعقلانية الإنسانية، ومنها انطلق Le Décalogue قاعدة التشريع السماوي في الكتب المنزلة، كما في سفر الحُكْمِ، وهو قسم من العهد القديم منسوب إلى سليمان، وكذلك في سفر حُكْمِ أيوب.
ويتساءل العلماء عمّا إذا كان طوفان نوح قد عَمَّ الكرة الأرضية، بالرغم من أن رسالته لم تتجاوز منطقة محدودة ؟
بيد أن النوع الإنساني لم يكن منتشراً آنذاك في مجموع الكرة الأرضية، بل كان الناس منحصرين في الناحية التي وصلها الطوفان، حيث استوت سفينة نوح على "الجودي" ويحتمل أن يكون هو ذلك الجبل الذي يقع في نواحي "ديار بكر" من الجزيرة (تركيا حالياً) باتصال مع جبال أرمينية. ولم يتعرض القرآن لبيان الموقع الجغرافي لذلك الحدث.
قال الله تعالى في القرآن : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سـنة إلا خمـسين عاماً فأخذهم الطـوفان وهم ظالمون } (سورة العنكبوت، الآية 13).
هود
هو ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. أرسل إلى عمالقة عاد في أرض الأحقاف جهة اليمن عند حضرموت، وهو الربع الخالي أو الخليج الحالي وفي شرقه عُمان.
ولم يرد ذكر هود في غير القرآن (سورة هود)، ويقال إنه أول من نطق بالعربية، إذ كان العرب أول من سكن غربي الفرات.
صالح
هو ابن عبيد بن ماسح بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح. لم يُعرف عصره بالضبط، ولا تدل الآثار الموجودة عليه، لأن أكثرها نقوش نبطية على القبور تحمل معنى التبرك، يرجع تاريخها إلى ميلاد المسيح، عليه السلام. ويرجح أنه وقومه كانوا من العرب العاربة من بقايا عاد الذين بنوا مساكنهم بالحجر، بين الحجاز والشام. وتعرف عاد اليوم بـ "فج الناقة" وهي مدائن صالح، متاخمة لخليج العقبة، وسُمِّيَ المكان بذلك الاسم لأن صالحاً جاء بمعجزة على صدق رسالته، حيث خرجت الناقة من صخر أصم، فعاشت ما عاشت، ثم عقروها فأرسل اللّه عليهم الصَّيْحَةَ (الصاعقة) التي دمرتهم.
إبراهيم
هو ابن تارخ (ولقبه آزر) بن ناحور بن ساروغ، حتى يصل إلى سام بن نوح، وهو خليل الله ويسمى أبو الأنبياء وأولو العزم من الرسل، موسى وهارون ومحمد، وعيسى عليهم الصلاة والسلام. هو من أهل "فدان أرام" بالعراق، حسب التوراة، وقد انتقل إلى "أور" الكلدانيين، وهي مدينة على الشاطئ الغربي للفرات، ثم قصد حاران ثم فلسطين ثم مصر. وكانت زيارته لمصر في عهد "امنمحات الثاني" (حوالي 2200 قبل الميلاد).
نزل إبراهيم بأرض مكة مع ولده إسماعيل من هاجر التي أهداها له ملك الكنانة (مصر) ثم ترك إسماعيل مع أمه وحدهما في الوادي ورحل، طاعةً لأمر الله تعالى. ولما أصابهما الظمأ، ظهر ماء زمزم تحت رجل إسماعيل معجزةً واستجابةً لدعاء أمه التي كانت تسعى وراء السراب بحثاً عن الماء. وكان ظهور الماء سبباً لاستيطان قبيلة جُرْهُم بمكة، فنشأ إسماعيل فيهم وأخذ لسانُه عربيةَ الجرهميين، وترك سريانية أبيه.
قـام إبــراهيم مـع ابـنه إسـماعيل ببناء الكعبة على القواعد القديمة لذلك البيت العتيق المتهدم، ثم أمره الله بأن يؤذن في الناس بالحج : { وأَذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } (سورة الحج، الآية 25)، فأصبحت زيارة الكعبة منذ ذاك الحين من المناسك. عاش إبراهيم من العمر حوالي 175 سنة.
إسماعيل
أُرْسِلَ إلى القبائل العربية التي نشأ فيها كما سبق ذكره. وعاش 137 سنة، ومات بمكة ودفن عند قبر أمه هاجر في الحجر، على المشهور الصحيح. وتذكر التوراة أنه مات بأرض فلسطين.
إسحاق
أرسل إلى الكنعانيين من بلاد الشام وفلسطين، وقد ولد وعمر والده إبراهيم مائة سنة. عاش إسحاق من العمر 180 سنة، ودفن في حبرون (الخليل) حيث دفن أبوه. وقد اختلف في الذبيح وقد ورد عن ابن عباس مرفوعاً أن الذبيح هو إسحاق، كما ورد في أثر آخر أنه إسماعيل(12).
لوط
هو ابن هارون بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم. أرسله اللّه إلى أهل "سدوم" شرقي الأردن، وقد انتشر فيهم الشذوذ الجنسي { ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } (سورة الأعراف، الآيتان 80-79)، ولما أبوا التوبة والانصياع لما جاء به رسول الله لوط، أهلكهم الله، وكانت زوجته مع الهالكين لأنها كانت تُقِرُّ قومها على فسادهم، وقد نجت معه ابنتاه.
وكانت قرية لوط بمكان البحر الميت الذي يعرف أيضاً ببحيرة لوط، ولما جعل اللّه أعلى الأرض سافلها، صارت الأرض أخفض من سطح البحر فامتلأ المكان بالماء. وقد اكتشفت آثار من مدن قوم لوط على حافة البحر الميت.
ولم تهلك امرأتا نوح ولوط عن ارتكاب فاحشة الزنا أو ما شابه ذلك، وإنما عن كفر برسالة زوجيهما. وكما قال ابن عباس : >ما بغت امرأة نبي قط< لأن بغاء المرأة يحط من كرامة زوجها، وجميع رسل الله وجهاء كرام(13).
يعقوب
هو ابن إسحاق بن إبراهيم، ويسمى "إسرائيل" أي عبد الله. ولد في فلسطين ثم رحل إلى "فدان آرام" في بابل بالعراق عند خاله "لابان" فرأى رؤيا في مكان سمي "بيت إيل" أي بيت اللّه وهو موضع "بيت المقدس" الذي بناه يعقوب بعد ذلك. ثم تابع سفره إلى العراق حيث تزوج بابنتي خاله معا، ولم يكن الجمع بين الأختين محرماً وقتئذ، ثم نسخ ذلك الحكم من بعد ذلك في شريعة التوراة. وولدت له إحداهما، وهي "راحيل" الكبرى، يوسف وبنيامين. وقد دفن يعقوب مع أبيه في مدينة الخليل.
تعاقب الأنبياء والرسل
نبدأ بأسماء الأنبياء والمرسلين وفقا لما جاء في القرآن الكريم، حيث قال تعالى :
{ قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيـسى وما أوتـي النبـيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } (سورة البقرة، الآية 135). { إن اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } (سورة آل عمران، الآية 33). { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا. ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكَلَّمَ اللَّه موسى تكليماً. رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيزاً حكيماً } (سورة النساء، الآيات 164-162). { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين. وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكُلا فضَّلنا على العالمين } (سورة الأنعام، الآيتان 87-86). { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كُلّ من الصابرين } (سورة الأنبياء، الآية 84).
آدم أبو البشر
إن أول هؤلاء الأنبياء هو آدم أبو البشر. وقد أنزله اللّه من الجنة ليعيش في جـزء مـن المـعمورة، فما هي تلـك الجنة، هل كانت جنة المأوى أم إحدى جنات الدنيا ؟
يرى الإمام أبو حنيفة، تبعاً لما رواه ابن عباس، وقد أدرجه القاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره : أن آدم كُلِّفَ مع حواء بعدم الأكل من الشجرة، والحياة في جنة المأوى لا تكليف فيها، وكيف يصل إليهما إبليس فيوسوس لهما إذا كانا في جنة المأوى وهي محرمة عليه ؟ وكيف يوسوس لهما أن سبب منعهما هو الحرمان من أن يكونا من الخالدين، ومعلوم أن الحياة في جنة المأوى خالدة ! وذلك المفهوم ورد أيضاً في العهد القديم(4).
عـن أبي أمامة أن رجـلا قال : يا نبي اللّه أوَنَبِيٌّ كان آدم ؟ قال : نعم نبيٌّ مُتَكَلِّمٌّ. قال، قلت : يا رسول اللّه كم وَفَّى عدة الأنبياء ؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جما غفيراً(5).
وورد في سفر التكوين أن آدم عاش عند منابع دجلة والفرات حيث أسكنه اللّه شرقي جنة عدن، فاضطر للكفاح من أجل الحياة ففلح الأرض وتزوج وَوُلِدَ له، وانطلق منذ ذاك الحين تعمير الأرض(6).
وقد واجه آدم أول محنة عندما قتل أحد ابنيه وهو قابيل أخاه هابيل. وروى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده قوله، عليه الصلاة والسلام : >لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أول من سَنَّ القتل<(7).
إدريس
هو أخنوخ بن يرد بن مهلاييل، أُعْطِيَ النبوة بعد آدم وشيث، وقيل إنه قد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثماني (308) سنوات.
ولد ببابل على الأصح، ولما أوتي النبوة انطلق بالدعوة إلى دين اللّه، فنهى المفسدين من بني آدم عن مخالفة شريعة اللّه التي حملها من قبله آدم وشيث، فخالفه جمع غفير. وهنا بدأت الدعوة تنتقل من جهة إلى أخـرى مـن أنـحاء المـعمور، فـرحل إدريس إلى مصر يدعو إلى مـكـارم الأخــلاق طـــوال اثنــتـين وثـــمانين ســـنة، ثــم رفـــعه الـلّـه إلــيـه : { ورفعناه مكاناً علـيّـا } (سورة مريم، الآية 57). وبدأ العلم والحكمة يتبلوران في عهده، فكان أول من كتب بالقلم وبحث في علم الهيئة والتنجيم. وقيل إنه لَقَّنَ الناس علم السياسة المدنية بعد ما أنشأ مائة وثماني وثمانين (188) مدينة. ولعل هذا من الإسرائيليات مما كان يقصّه أهل الكتاب من حكايات توارثوها عبر الأجيال، وظلت على ألسنتهم بعد أن أسلموا، ثم دونت في كتب قصص الأنبياء(8).
وقيل إن إدريس هذا هو المسمى إلياس، الذي عرف باسم أخنوخ في سفر التكوين (5-24) وسماه الحكماء "هرميس الهرامسة" وزعموا أنه ولد في منف بمصر ومنها خرج ليجوب في المعمورة. وله آداب ورموز حِِكمية، دعا فيها إلى الاهتمام بعلم الفلك (خاصة رؤية الهـلال وحركة البروج). ومن آدابه وحِكَمه ما تناقلته الأجـيال من مخـتلف النـحل، مثل : >خير الدنيا حسرة وشرها الندم< و>حياة النفس الحكمة وتحريم الخمر<، وغير ذلك. وقد نُسِبَ إليه زوراً بناء الأهرامات، وزعم المفترون أنه صور فيها جميع الصناعات والآلات حرصاً على تخليدها. وكل هذا مخالف لما ورد في التاريخ(9).
وينقل ابن جرير رواية أخرى، وهي أن إلياس هو ابن ياسين بن فنحاص بن العيزران بن هارون. فيكون على ذلك من أنبياء بني إسرائيل الذين دعوا إلى نبذ عبادة الأصنام، وخلفه اليسع رسول اللّه، وكانت رسالته لأهل بعلبك غربي دمشق الذين كانوا يعبدون صنماً يسمى بعلاً(10).
نوح
هو ابن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، ويسمى أبو البشر الثاني. كانت الأوامر أو القوانين السبعة التي أوحيت إلى نوح، عليه السلام، بعد الطوفان تدعو إلى : اجتناب الشرك باللّه، وقتل النفس بغير حق، والقذف، والنكاح الحرام، والسرقة، وأكل اللحم بروحه ودمه(11)، والدعوة إلى إقرار نظام شرعي للإنسانية. فهذه الأوامر قد سبقت الأوامر العشرة التي أوحاها اللّه تعالى إلى موسى، عليه السلام، حسب العهد القديم، عندما كَلَّمَهُ في طور سيناء.
وقد أكد مفكران معاصران يهوديان هما : "Moses Mendelssohn" و"Herman Cohen"، أن أوامر نوح هي الأساس الخُلُقِي للعقلانية الإنسانية، ومنها انطلق Le Décalogue قاعدة التشريع السماوي في الكتب المنزلة، كما في سفر الحُكْمِ، وهو قسم من العهد القديم منسوب إلى سليمان، وكذلك في سفر حُكْمِ أيوب.
ويتساءل العلماء عمّا إذا كان طوفان نوح قد عَمَّ الكرة الأرضية، بالرغم من أن رسالته لم تتجاوز منطقة محدودة ؟
بيد أن النوع الإنساني لم يكن منتشراً آنذاك في مجموع الكرة الأرضية، بل كان الناس منحصرين في الناحية التي وصلها الطوفان، حيث استوت سفينة نوح على "الجودي" ويحتمل أن يكون هو ذلك الجبل الذي يقع في نواحي "ديار بكر" من الجزيرة (تركيا حالياً) باتصال مع جبال أرمينية. ولم يتعرض القرآن لبيان الموقع الجغرافي لذلك الحدث.
قال الله تعالى في القرآن : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سـنة إلا خمـسين عاماً فأخذهم الطـوفان وهم ظالمون } (سورة العنكبوت، الآية 13).
هود
هو ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. أرسل إلى عمالقة عاد في أرض الأحقاف جهة اليمن عند حضرموت، وهو الربع الخالي أو الخليج الحالي وفي شرقه عُمان.
ولم يرد ذكر هود في غير القرآن (سورة هود)، ويقال إنه أول من نطق بالعربية، إذ كان العرب أول من سكن غربي الفرات.
صالح
هو ابن عبيد بن ماسح بن حادر بن ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح. لم يُعرف عصره بالضبط، ولا تدل الآثار الموجودة عليه، لأن أكثرها نقوش نبطية على القبور تحمل معنى التبرك، يرجع تاريخها إلى ميلاد المسيح، عليه السلام. ويرجح أنه وقومه كانوا من العرب العاربة من بقايا عاد الذين بنوا مساكنهم بالحجر، بين الحجاز والشام. وتعرف عاد اليوم بـ "فج الناقة" وهي مدائن صالح، متاخمة لخليج العقبة، وسُمِّيَ المكان بذلك الاسم لأن صالحاً جاء بمعجزة على صدق رسالته، حيث خرجت الناقة من صخر أصم، فعاشت ما عاشت، ثم عقروها فأرسل اللّه عليهم الصَّيْحَةَ (الصاعقة) التي دمرتهم.
إبراهيم
هو ابن تارخ (ولقبه آزر) بن ناحور بن ساروغ، حتى يصل إلى سام بن نوح، وهو خليل الله ويسمى أبو الأنبياء وأولو العزم من الرسل، موسى وهارون ومحمد، وعيسى عليهم الصلاة والسلام. هو من أهل "فدان أرام" بالعراق، حسب التوراة، وقد انتقل إلى "أور" الكلدانيين، وهي مدينة على الشاطئ الغربي للفرات، ثم قصد حاران ثم فلسطين ثم مصر. وكانت زيارته لمصر في عهد "امنمحات الثاني" (حوالي 2200 قبل الميلاد).
نزل إبراهيم بأرض مكة مع ولده إسماعيل من هاجر التي أهداها له ملك الكنانة (مصر) ثم ترك إسماعيل مع أمه وحدهما في الوادي ورحل، طاعةً لأمر الله تعالى. ولما أصابهما الظمأ، ظهر ماء زمزم تحت رجل إسماعيل معجزةً واستجابةً لدعاء أمه التي كانت تسعى وراء السراب بحثاً عن الماء. وكان ظهور الماء سبباً لاستيطان قبيلة جُرْهُم بمكة، فنشأ إسماعيل فيهم وأخذ لسانُه عربيةَ الجرهميين، وترك سريانية أبيه.
قـام إبــراهيم مـع ابـنه إسـماعيل ببناء الكعبة على القواعد القديمة لذلك البيت العتيق المتهدم، ثم أمره الله بأن يؤذن في الناس بالحج : { وأَذِّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } (سورة الحج، الآية 25)، فأصبحت زيارة الكعبة منذ ذاك الحين من المناسك. عاش إبراهيم من العمر حوالي 175 سنة.
إسماعيل
أُرْسِلَ إلى القبائل العربية التي نشأ فيها كما سبق ذكره. وعاش 137 سنة، ومات بمكة ودفن عند قبر أمه هاجر في الحجر، على المشهور الصحيح. وتذكر التوراة أنه مات بأرض فلسطين.
إسحاق
أرسل إلى الكنعانيين من بلاد الشام وفلسطين، وقد ولد وعمر والده إبراهيم مائة سنة. عاش إسحاق من العمر 180 سنة، ودفن في حبرون (الخليل) حيث دفن أبوه. وقد اختلف في الذبيح وقد ورد عن ابن عباس مرفوعاً أن الذبيح هو إسحاق، كما ورد في أثر آخر أنه إسماعيل(12).
لوط
هو ابن هارون بن تارخ، فهو ابن أخي إبراهيم. أرسله اللّه إلى أهل "سدوم" شرقي الأردن، وقد انتشر فيهم الشذوذ الجنسي { ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون } (سورة الأعراف، الآيتان 80-79)، ولما أبوا التوبة والانصياع لما جاء به رسول الله لوط، أهلكهم الله، وكانت زوجته مع الهالكين لأنها كانت تُقِرُّ قومها على فسادهم، وقد نجت معه ابنتاه.
وكانت قرية لوط بمكان البحر الميت الذي يعرف أيضاً ببحيرة لوط، ولما جعل اللّه أعلى الأرض سافلها، صارت الأرض أخفض من سطح البحر فامتلأ المكان بالماء. وقد اكتشفت آثار من مدن قوم لوط على حافة البحر الميت.
ولم تهلك امرأتا نوح ولوط عن ارتكاب فاحشة الزنا أو ما شابه ذلك، وإنما عن كفر برسالة زوجيهما. وكما قال ابن عباس : >ما بغت امرأة نبي قط< لأن بغاء المرأة يحط من كرامة زوجها، وجميع رسل الله وجهاء كرام(13).
يعقوب
هو ابن إسحاق بن إبراهيم، ويسمى "إسرائيل" أي عبد الله. ولد في فلسطين ثم رحل إلى "فدان آرام" في بابل بالعراق عند خاله "لابان" فرأى رؤيا في مكان سمي "بيت إيل" أي بيت اللّه وهو موضع "بيت المقدس" الذي بناه يعقوب بعد ذلك. ثم تابع سفره إلى العراق حيث تزوج بابنتي خاله معا، ولم يكن الجمع بين الأختين محرماً وقتئذ، ثم نسخ ذلك الحكم من بعد ذلك في شريعة التوراة. وولدت له إحداهما، وهي "راحيل" الكبرى، يوسف وبنيامين. وقد دفن يعقوب مع أبيه في مدينة الخليل.