المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : "الرسالة الجدية"


أحمد الشريف
07-21-2007, 02:18 PM
في ترجمة أبن زَيدون – رحمه الله تعالى
وإيراد شيءٍ من شِعرِه الذي رَقَّ وراق ،
وشَقَّ على غيرِه وشاق فأقول : هو ذو الوزارتين ،
الكاتبُ المُجيد المُفيد ، الناظم الناثر ، البليغ المفوه اللسِن ،
أبو الوليد أحمد بن عبدِ الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القُرطبي .

أثنى عليه ابن بسامٍ في " الذخيرة" وابن خاقان في " قلائدِ العقيان".
وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة ، برع أدبه ،
وجاد شعره ، وعلا شأنه ، وأنطلق لسانه وحقق بيانه .
ثم إنه أنتقل من قرطبة إلى المعتضد بن عباد صاحب إشبيلية ،
سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ، فجعله من خواصه ،
ويجالسه في خلوته ، ويركن إلى إشاراته ؛
وكان معه في صورة وزير ، وكان أولاً قد انقطع إلى ابن جهور ،
أحد ملوك الطوائف المتغلبين بالأندلس ، فخف عليه ،
وتمكن منه ، واعتمد عليه في السفارة بينه وبين ملوك الأندلس ،
فأعجب القوم به ، وتمنوا ميله إليهم لبراعته ، وحسن سيرته ؛
فأتفق أن نقم ابن جهور على ابن زيدون فحبسه ،
فاستعطفه ابن زيدون بهذه الرسالة وبأمثالها من فنون النظم
والنثر فما أجدى ذلك عليه شيئاً ، ففر من محبسه لما أعياه الخطب ،
واتصل بعد ذلك بإبن عباد كما تقدم.

وكتب إلى بعض أصحابه – وهو الأديب أبو بكر بن مسلم –
لما اختفى بقرطبة بعد فراره ، رسالة يعتذر فيها عن فراره ،
وهي في غاية الحُسن ، ولولا خوفُ التطويل كان لا بأس بذكرها ،
ونشر نشرها ، ودر درها ، وهذه فلذةٌ منها :

" أبدأ أولاً بشرح الضرورة الحافزةِ إلى ماصنعت ،
إذ بلغني أنك أحدُ اللأثمين لي عليه ، ومن أمثالهم ويلٌ
للشجى من الخلى ، وهان على الأملس مالاقى الدبر .
وأعاتبك على انفصالك عني ، وبراءتك أمد المحنة مني ،
وعسى أن تتلافى عوداً ما أضعت بدءاً ،
وإن كنت في ذلك كدابغةٍ وقد حِلَم الأديم .
وهو أخو العَمَى ، وقد نهى عنه تعالى فقال:
( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله )
وشهد على فلانٌ الناشرُ لاذنيه طمعاً ، ليأكل بيديه جشعاً ،
وقال ؛ فكان القول ما قالت حذام .
وليتنى مع قبول من لا تحل شهادته علىّ ،
يُعذر فيه إليّ ، ولم يُقرن الحشف بسوء الكلية.
وكنت في أول حبسي بموضعٍ جرت العادة
بوضعِ مستوري الناس وذوي الهيئات منهم ؛
وفي الشر خيار ، وبعضه أهون من بعض .
ثم نقلتُ من بعد إلى حيث الجُناةُ والمفسدون ،
واللصوص والمقيدون ومُنع مني عُوادي ،
فشكوت إلى الحاكم الحابس لي ، فصِم عني –
" ولو ذاتُ سِوار لطمتني "
وإنك لم يفخر عليك كفاخرٍ.........ضعيفِ ، ولم يغلبك مِثلُ مغلّبِ
فلم استطع صبراً ، وعلمتُ أن العاجز من لا يتبد ،
"والمرء يعجز لا محالة ".
ولم أستجز أن أكون ثالث الأذلين ؛ عير الحي والوتد .

وذكرتُ أن الفرار من الظالم والهرب ممن لا يُطاقُ ،
من سنن المرسلين ، وقد قال تعالى على لسان موسى:
( ففررتُ منكم لما خِفتُكم ) .
فنظرتُ في مفارقة الوطن ؛ وإذ قديماً ضاعَ الفاضلُ
في وطنِه ، وكسد العِلق الغَبِيطُ في معدِنِه ، كما قال :
أضِيعُ في مَعشرِى وكم بَلدٍ ........يُعدُ عُود الكِباء مِن حَطَبه
فاستخرتُ الله في إنفاذ العزم ، وأنا الآن بحيثُ أمنتُ بعض الأمن ،
إلا أن السعي لم يرتفع ، ومادة البغي لم تنقطع .

وختم هذه الرسالة بقصيدة أولها :
شَحَطنا ، وما بالدار نأىٌ ولا شَحطُ .... وشَط بمن نهوى والمزار وما شطوا
وما شوقُ مقتولِ الجوانح بالظما .... إلى نُطفةٍ زرقاءَ أضمرها وقط
بأبرحَ من شوقِ إليكم،ودونَ ما ...... أدبرُ المنَى شَوكُ القتادَة والخَرطُ
وفي الربرب الإنسِى أحوى ، كِناسُه... نَواحى ضميرى، لا الكثيبُ ولا السقطُ
عليكَ أبا بكرِ بَكرتُ بِهمةٍ ...لها الخَطر العالي،
وإن نالها حَطُ
أبي بعدما هِيل الترابُ على أبي ...ورهطي فِدا
حين لم يبقَ لي رهطُ
ولولاك لم يثقب زناد قريحتي ...فينتهب الظلماء
من نارها وسِقط
هرِمتُ وما للشيبِ وخطٌ بمفرقي ...ولكن لشيب الهم في كبدي وخطُ
وقد رسموني بالتي لستُ أهلها ...ولم يُرَ أمثالي بأمثالها قطُ
فررتُ فإن قيل الفِرارُ إرابةٌ...فقد فر موسى حين هم به القِبطُ
* * *

وله الرسالة التي كتبها على لسانِ ولادة بنت
المستكفي إلى الوزير أبي عامر بن عبدوس ،
يتهكم به فيها ، فوجد فيها مكان القول ذا سعة ،
وتلعب فيها بأطراف الكلام ، وأجاد فيها ما شاء.
وكلُ رسائله هكذا مشحونةٌ بفنون الأدب ،
ولُمع التواريخ ، والأمثال الغريبة ؛ نثراً ونظماً ؛
وأنت سوف ترى نثره كيف يهز عِطفك ،
ويسحرك ويخدعك ، وليس فيه سجعٌ تروجه
القوافي على النفوس ، ولكن هذا من القدرة على البلاغة .

وقال بعضُ الوزراء بإشبيلية : عهدي بأبي الوليد بن زيدون
قائماً على جنازةِ بعض حُرمه ، والناسُ يُعزونه على اختلاف طبقاتهم ،
فما سمتهُ يجيبُ أحداً بما أجاب به غيره ،
لسعةِ سيدالِه ، وحضور جَنانِه.

وله مع ولادة هذه أخبارٌ تُطرِب القلوب ،
وتُشنف المسامع ؛ لأنه خَلع فيها عِذاره ،
وأعطي هواه فيها فضل زمامه.

وكانت ولادة هذه من أهل بيت الخلافة ،
ابنة محمد المستكفي بن عبد الرحمن ،
وهي واحدةُ زمانها ، المُشار إليها في أوانها ،
حَسَنةَ المُحاضرة ، مشكورة المذاكرة .

وكانت مشهورة بالصيانة والعفاف ،
كتبت بالذهب على طرازها الأيمن :
وأنا واللهِ أصلُح للمعالي .... وأمشي مشيتي وأتيه تيها
وكتبت على الطراز الأيسر :
وأمكنُ عاشقي من صحنِ خَدي ...وأعطي قبلتي من يشتهيها

وكان لها جاريةٌ سوداء بديعةُ الغناء ،
فظهر لولادة من ابن زيدون
ميلٌ إلى الجارية ، فكتبت إليه :

لو كنتَ تنصف في الهوى ما بيننا ...لم تهو جاريتي ولم تتخير
وتركت غُصناً مُثمِرا بجمالهِ ...وجنحتَ للغُصن الذي لم يُثمِرِ
ولقد علمتَ بأنني بدرُ السما .....ولكن ولعتَ -لِشقوَتي ً- بالمُشتري

وكانت ترميه بأبنةٍ مع فتاه على حالةٍ ، فقالت فيه :
إن ابن زيدونَ على فضلهِ ... يغتابني ظلماً ولا ذنب لي
يلحظني شزراً إذا جئته ...كأنما جئتُ لِأخصِى علي

وكانت تُلقبه المسدس ، وتقول فيه :
ولقبتَ المُسدس وهو نعتٌ ...تفارقك الحياة ولا يفارق
فلُوطِيٌ ومأبونٌ وزانِ .....وديوثٌ وقرنانٌ وسارق

وقالت فيه أيضاً :
إن ابن زيدون له فقحةٌ....تَمشق قُضبانَ السراويلِ
لو أبصرت جُعلاً على نخلةٍ ....صارت من الطير الأبابيلِ

وكانت ولادة أولاً تهوى ابن زيدون ، ثم مالت عنه إلى الوزير ابن عبدوس ،
وكان يلقب بالفار ، فقال ابنُ زيدون :

أكرِم بولادةٍ عِلقاً لِمُعلِقٍ....لو فَرقَت بين بَيطارٍ وعَطارٍ
قالوا أبو عامرٍ أضحى يُلم بها ....قلتُ الفراشةُ قد تدنو من النارِ
عيرتمونا بأن صد صار يخلفُنا .... فيمن نحب ، وما في ذاك من عارِ
أكلٌ شهيٌ أصبنا من أطايبه ... بعضاً ، وبعضاً صفحنا عنه للفارِ

وكانت قد طال عمرها وعمر أبي عامر المذكور ،
حتى أربيا على الثمانين، ولم يدعا المواصلة ولا المراسلة.

وأما ابن زيدون فإن أغلب شعره وأغزاله في ولادة ،
ومن ذلك قصيدته النونية التي سارت في البلاد ، وصارت في العباد ، وأولها:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا .....وناب عن طيب لقيانا تجافينا

وكتب ابن زيدون إلى ولادة يوماً من الزهراء:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً .....والجوُ طلقٌ ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلالٌ في أصائلهِ...... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا

ومن نظمه أيضاً:
أما مني نفسي فأنتِ جميعها ...ياليتني أصبحتُ بعض مُناكِ
يُدني مزاركِ حين شط به النوى ....وهمٌ أكادُ به أقبل فاكِ

ومن نظمه أيضاً :

ولقد شكوتكِ بالضمير إلى الهوى ...ودعوتُ من حنقٍ عليكِ فأمنا
منيتُ نفسي وصالكِ ضلةَ....ولقد يغُر المرء بارِقةُ المنى

ومن قصيدةٍ يمدح بها عباداً في يوم عيد :

ولما قضينا ماعنانا قضاؤه...وكلٌ بما أوليت داعٍ لمُلحف
رأيناك في أعلى المصلى ، كأنما...تطلع من محرابِ داود يوسفُ

ولما أتصل بعد فراره من سجن ابن جهور بالمعتضد بن عباد ،
لم يزل عنده وعند ابنه المعتمد ابن عباد قائم الجاه ،
وافر الحرمه ، إلى أن توفى بإشبيلية ،
سنة ثلاثٍ وستين وأربعمائة ،
كذا قال شيخنا شمس الدين الذهبي .
وكان له ولد يقال له : أبو بكر ،
تولى وزارة المعتمد ، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين
قرطبة من ابن عباد ، رحمهم الله أجمعين .

أحمد الشريف
07-21-2007, 02:19 PM
رسالة ابن زيدون الجدية

كتب أبو الوليد أحمدُ بن زيدون إلى ابن جهور:
"يامولاي وسيدي الذي ودادي له ، وأعتمادي عليه ،
وأعتدادي به .
ومن أبقاه الله تعالى ماضي حد العزم ،
وأرى زند الأمل ، ثابت وعهد النعمة .
إن سلبتني أعزك الله لباس إنعامك ،
وعطلتني من حلي إيناسك ، وأضمأتني إلى
بُرُدِ إسعافك ، نفضت بي كف حِياطتك ،
وغضضت عني طرف حمايتك ؛
بعد أن نظر الأعمى إلى تأملي لك ،
وسمع الأصم ثنائي عليك ، وأحس
الجمادُ بإستِحمادي إليك ؛ فلا غرو ،
وقد يغص بالماء شاربه ، ويقتل الدواء المستشفي به ،
ويؤتى الحذِر من مأمنِه ، وتكون منيتهُ المتمنى في أُمنِيته ،
والحينُ قد يسبق حِرص الحريص .
كلُ المصائب قد تمر على الفتى .....وتهونُ غير شماتةِ الأعداءِ

وإني لأجلد ؛ وأرى الشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع ،
فأقول:
هل أنا إلا يدٌ أدماها سِوارها ، وجبينٌ عض به إكليله ،
ومشرفيٌ ألصقه بالأرضِ صافله ، وسمهريٌ عرضه
على النارِ مثقفه ، وعبدٌ ذهب به سيده مذهب الذي يقول :
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً....فليقسُ أحياناً على من يرحمُ

هذا العتب محمود عواقبه ، وهذه النبوة غَمرةٌ ثم تنجلي ،
وهذه النكبة سحابةٌ صيفٍ عن قليلٍ تقشع .
ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبُه ،
أو تأخر غيرَ ضنين غَناؤه ، فأبطأُ الدلاءِ فَيضاً أملَؤُها ،
وأثقلُ السحاب مَشياً أحفُلها ، وأنفعُ الحيا ما صادف جَدبا ،
وألذُ الشراب ما أصابَ غَلِيلا ، ومع اليومِ غَدٌ ، ولكلِ أجلٍ كتاب ؛
له الحمدُ على اهتبالِه ، ولا عَتبَ عليه في إغفالِه .

فإن يَكُنِ الفِعلُ الذي ساءَ واحداً .......فأفعالُه اللاتي سَرَرن أُلُوفُ

وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوُك ،
والجهلُ الذي لم يأتِ مِن ورائِه حِلمُك ،
والتطاوُل الذي لم يستغرقه تَطوُلُك ،
والتحامُل الذي لم يَفِ به احتِمالُك ؛
ولا أخلو من أن أكونَ بريئاً فأين العدل !
أو مُسِيئاً فأين الفضل !
إلا يَكن ذنبٌ فَعَدلُكَ واسعٌ.......أو كانَ لي ذنبٌ ففضلُك أوسعُ
حَنَانيَك ! قد بَلغ السيلُ الزُّبىَ ، ونالني ماحَسبي به وكَفَى .

وما أراني إلا لو أني أُمرت بالسجود لآدمَ فأبيتُ واستكبرت ،
وقال لي نوح : ( اركب مَعَنا ) ،
فقلتُ: ( سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعصِمُني مِن الماءِ ) ،
وأمرت بِبناء صَرحِ لعلي أطَّلِعُ إلى إلهِ مُوسى ،
وعكفتُ على العِجل ، واعتديتُ في السبت ،
وتَعاطيت فَعقَرت ، وشرِبت من النَّهر الذي أبتُلي
به جُيوشُ طالوت ، وقُدتُ الفِيلَ لأبرهَة ،
وعاهدتُ قُريشاً على مافي الصَّحيفة ، وتأولتُ
في بَيعَة العقَبة ، ونفرتُ إلى العِير ببَدر ،
وأنَحَزلت بُثُلث النّاس يومَ أُحُد ، وتخلفتُ عن
صَلاة العَصر في بني قُريظة ، وجئتُ بالإفك
على عائِشةَ الصِّدِّيقة ، وأَنِفتُ من إمارة أُسامة ،
وزَعمتُ أن بيعَةَ أبى بَكر كانت فلتةً ،
ومِن أدلة القُرآنِ عَلى خِلافةِ أبى بكرٍ ،
ورَويتُ رُمحِي مِن كتِيبةِ خَالِد ،
ومزقتُ الأدِيم الذي باركت يدُ الله عليه ،
وضَحّيت بالأشمط الذي عُنوانُ السُّجودِ به ، وبذلت لقَطام :
ثلاثةَ آلافِ وعَبداً وقينةً ..... وضَربَ عليٍّ بالحُسامِ المسممِ

وكتبتُ إلى عمر بنِ سعد : أن جَعجِع بالحُسين ،
وتمثلت عندما بلغني من وقعة الحَرة :
لَيتَ أشياخِي ببَدرٍ عَلِمُوا ...جَزَع الخَزرَج مِن وَقع الأَسَل
ورجمتُ الكعبة ، وصلبتُ العائِذَ على الثَّنِية – لكان فيما جَرى
علىَّ ما يحتمل أن يسمى نَكالاً ، ويدعَى ولو عَلَى المَجازِ عِقاباً .


وحَسبُكَ من حادِثٍ بامرِئٍ .......تَرَى حاسِدِيه له راحِمِينا
فكيفَ ولا ذنبَ إلا نمِيمَةٌ أهداها كاشحٌ ،
ونبأ جاءَ به فاسِق ، وهم الهمازون المشاءون بِنَميم ،
والواشُون الذين لا يلبثون أن يَصدعُوا العَصا ،
والغُواةُ الذين لا يَتركون أدِيماً صحيحاً ،
والسُّعاةُ الذين ذكَرهم الأحنفُ بنُ قيس ،
فقال : ماظَنُّك بقومٍ الصِّدقُ محمودٌ إلا منهم !
حلَفتُ فلَم أترُك لنفسِكَ رِيبةً ......وليسَ وراءَ اللهِ للمرءِ مّذهَبُ


ولا نَصَبتُ لك بعدَ النشيع فيك ،
ولا أزمعتُ مع ضمانٍ تكلفت به الثقة عنك ،
وعهدٍ أخَذَه حُسنُ الظن عليك ؛ ففيم عَبِث الجفاء بِأذمتي ،
وعاثَ العُقوقُ في مَواتي ، وتمكنَ الضَّياع من رسائلي !
ولِمَ ضاقت مذاهِبي وأكدَت مَطالِبي !
وعلامَ رضيتُ من المركَب بالتعليق ، بل من الغنِيمة بالإياب !
وأَنَّي غَلَبَني المغلب ، وفَخَر علىَّ العاجزُ الضعيف ،
ولطمتني غيرُ ذاتِ سِوار !
ومالَكَ لم تَمنَع مني قَبلَ أن أُفتَرَس ، وتُدركَني ولمّا أُمَزق !
أم كيف لا تتضرم جَوانحُ الأكفاء حَسداً لي على الخُصوصِ بك ،
وتتقطع أنفاسُ النُّظَراء مُنافَسةٌ في الكَرامة عليك ،
وقد زانني اسمُ خِدمَك ، وزهاني وَسمُ نِعمتك ،
وأبلَيتُ البَلاء الجميلَ في سِماطِك ،
وقُمتُ المَقام المحمودَ على بِساطِك .

أَلستُ المُوالي فيكَ غرَّ قصائدٍ......هيَ الأنجُمُ افتادَت مع الليل أنجُمَا
ثناءً يُظنُ الروضُ منه منثوراً .....ضُحى، ويُخالُ الوَشي فيه مُنمنَمَا

وهل لَبِس الصبَاحُ إلا بُرداً طرزتُهُ بفضائِلِك ،
وتفلدَتِ الجوزاءُ إلا عِقداً فصلتُهُ بمآثِرِك
ـ واستملى الربيع إلا ثناءً ملأتهُ من مَحاسِنِك ،
وبَث المِسكُ إلا حديثاً أذعتُه في مَحامِدك !
حَليمةَ بِسر .

وإن كنتُ لم أكسُك سَليباً ، ولا حَليتك عطلاً ،
ولا وسمتك غفلاً ؛ بل وجدتُ آخراً وجِصاً فبنيت ،
ومكانَ القول ذا سَعةٍ فقُلت
حاشا لكَ أن أعَد من العاملةِ النّاصِبة ،
وأكونَ كالذُّلة المنصوبةِ تُضيءُ للنّاس وهي تحترق !
فلك المَثَل الأعلى ، وهو بكَ – وبي فيكَ – أولى .


ولَعَمرُكَ مَاجَهِلتُ أن صَريحَ الرأيِ لأن أتحولَ
إذ بلغتني الشمس ، وأنا ببابي المَنزل ،
وأصفح عن المطامع التي تُقطع أعناقَ الرجال ،
فلا استوطيء العَجز ، ولا أطمئن إلى الغُرور ؛
ومن الأمثال المضروبة : خامري أمّ عامر ؛
وإني مع المعرفة أنّ الجلأ سِباء ، والنُّقلةَ مُثلة .


ومَن يَغتَرِب عن قَومِه لَم يَزَل يَرَى .....مَصارعَ مَظلومٍ؛ ومَجَراً ومَسحَباً
وتُدفَن منه الصّالحاتُ وإنْ يُسيءْ.....يكنْ – ما أساء- النَّار في رأسِ كَبكَبا

لعارفٌ بأنّ الأدب الوطنُ لا يُخشى فِراقه ،
والخليط لا يُترقع زيالُه ، والنَّسِيب لا يُجفئ ،
والجمالَ لا يخفى .

أحمد الشريف
07-21-2007, 02:20 PM
ثم ما قِرانُ السعد للكواكب أَبهَى أترا ، ولا أَسنَى خَطَرا ،
من اقتران غني النّفس به ، وانتظامها معه ؛ فإنّ الحائزَ لهما ،
الضاربَ بسَهمٍ فيها –وقليلٌ ما هُم- أينما تَوَجه وَرَدَ مَنهَلَ بِر ،
وحَطَّ في جَناب قَبول ، وضوحِك قبلَ إنزالِ رحلهِ ،
وأعطىَ حُكم الصِّبىِّ على أهله .


وقيل له :
أهلاً وسَهلاً ومَرحباً ..... فهذا مَبِيتٌ صالحٌ ومَقِيلُ

غير أن الوطن محبوب ، والمنشأ مألوف ،
واللبيب يحِن إلى وَطَنِه ، حَنينَ النّجِيبِ إلى عَطنَه ،
والكريمَ لا يجفُوا أرضاً فيها قَوابلُه ، ولا ينسى بَلَداً
فيها مَراضعُهُ قال الأول :

أحَبُ بلادِ الله ما بين مَنعجٍ.....إلىَّ وسَلمىَ أن يَصُوبَ سَحابُها
بلادٌ بها عَق الشبابُ تَمائِمي.....وأولُ أرضٍ مَسَّ مَنَّ جِلدِي تُرابُها

هذا إلى مُغالاتي لفقد جِوارك ، ومُنافستي بلَحظةٍ مِن قُربك ،
واعتقادي أن الطمع في غيرك طَبَع ، والغني من سوك
عناءٌ وكُلُ الصيد في جوف الفرأ ، والبَذل منك أعور ،
والعِوَض صفاء .


وإذا نظرت إلى أميري زادَني ...ضَنَّاً به نَظَري إلى الأمَراءِ
وفي كل شجرةٍ نار ، واستجمد المرخُ والعَفَار .


فما هذه البَراءة ممن يتولاك ، والميل عمن يميل عنك !
وهلاَ كان هواكَ فيمن هَواهُ فيك ، ورِضاكَ لمن رضاه لك !
يا من يَعِزُ علينا أن نُفارقهم .....وحداتُنا كل شيء بَعدكُم عَدَمُ
أُعيذُك ونفسي من أن أَشيم خلَّبا ، وأَستمطر جَهاماً ،
وأكدِم في غير مَكدَم ، وأشكو شَكوَى الجَريح إلى العِقبان والرخَم ؛
فما أبسستُ لكَ إلا لتدر وحركتُ لك الحِوار إلا لتحن ،
ونبهتُك إلا لِأَنام ، وسريتُ إليكَ إلا لأحمدَ السُّرى لديك .


وإنكَ إن شئتَ عَقد أمرٍ تيسر ، ومتى أعذَرتَ في فَكِّ أسرِي لم يتعذر ،
وعِلمُك محيطٌ بأن المعروفَ ثَمَرة والنِّعمةَ ،
والشفاعة زَكاةُ للمروءة ، وفضلَ الجاهِ –تَعودُ- به صَدَقة .


وإذا امرُؤٌ أهَدى إليكَ صَنِيعةً .....مِن جاهِه فكأنها مِن مالِهِ
لعلى أن ألقي العَصا بذراك ، ويستفر بي النّوى في ظِلك ،
وأَستأنف التأدبَ بأدبِك والاحتمالَ على مَذهَبك ،
فلا أُوجِد للحاسِد مَجالَ لحَظَة ، من هذه الشكوى ،
بصنيعةٍ تُصيبُ منها مكانَ المَصنع ،
وتستودِعها أحفَظَ مُستودَع ، حَسبما أنت خَلقٌ له ،
وأنا منك حَرِىٌ به ؛ وذلك بيدِه ، وَهّينٌ عليه .


ولمّا توالت غُرَرُ هذا النثر واتسقت دُررُه ، فَهز عِطفَ غُلوائه ،
وجر ذيل خُيلائِه ، عارضَه بالنظم مُباهِياً ؛ بل كايَدَه مُداهياً ،
حين أشفق أن يستعطِفك استعطافهُ ، وتميلَ بنفسك ألطافُه ،
فاستحسن العائدَةَ منه ، واعتد بالفائدة له ،
فمازال يستكدُ الذِّهنَ العليل ، والخاطرَ الكَلِِيل ،
حتى زَف إليك عَروساً مجلؤةً في أثوابها ،
منصوصةً بِحَليِها ومَلابسِها ، وهي :

الهوَى في طلوعِ تلك النّجومِ ......والمُنَى في هُبوبِ ذاكَ النَّسيمِ
سَرنا عَيشنا الرفيقُ الحَواشي......لو يَدومُ السُّرورُ للمستدِيمِ
وَطَرٌ ما انقضَى إلى أن تقضي ....زمنٌ ما ذمامُه بالـــذَّمــــيمِ
إذ ختامُ الرِّضا المسوغ مِسكٌ......ومِزاجُ الوِصال من تَسنيمِ
وعَريضِ الدلال غَص جَنَى الصبوَة نشوانَ من سُلافِ النَّعيمِ
طالما نافر الهَوَى منه عِزٌ .......لم يَطُل عَهدُ جِيدِه بالتّميمِ
زارَ مستخِفياً، وهيهاتَ أن يخفى....في سَنَا البدرِ في الظلام البَهيمِ
فوَشَى الحَلىُ إذ مَشى، وهفَا الطَيبُ...إلى حُسنِ كاشحٍ بالنميمِ
أيها المُؤذنِي بظلم الليالي......ليس دهري بواحدٍ من ظلومِ
ما تَرَى البَدرَ إنْ تأملتَ والشمسَ...هما يُكسَفان دونَ النّجومِ!
وهو الدهرُ ليس ينفك ينجو ...بالمُصابِ العظيم نحوَ العظيمِ
بوأ اللهُ جهوراً أشرفَ السوددِ ...في السر واللبابِ الصمِيمِ
واحدٌ سلم الجميعُ له الأمر.....فكانَ الخُصوصُ وفق العُمومِ
قلد الغمرُ ذا التجاربِ فيه .....واكتفى جاهلٌ بعلمِ عَليمِ
خطر يقتضى الكمال بنوعى...خُلُقٍ بارِعٍ وخَلقٍ وَسيمِ
أسوة الروضِ تطبيك يحظى ...نظرٍ ما اعتمدته وشميمِ
ابهذا الوزيرُ ها أنا أشكو ....والعَصَا بَدء قَرعِها للحليمِ
ما غناءٌ أن يألفَ السابق المربطَ ....في العِتقِ منه والتطهيمِ
وثواء الحسام في الجفن يثنى ...منه بعد المضاءِ والتصميمِ
أفصرٌ مئين جمساً من الأيامِ....ناهيكَ مِن عذابٍ أليمِ
ومُعنى من الصبا بهناتٍ.......نكأت بالكلومِ قزحَ الكلُومِ
شَقَمٌ لا أعادُ منه وفي العائد ....أنسٌ يفي بُبرء السقيمِ
نار بَغىٍ سَعَى إلى جَنّة الأسنِ ...لظاها، فأصبحت كالصريمِ
بأبى أنتَ إن تَشَأتكَ برداً ....وسلاماً كنارِ إبراهيمِ
للشفيع الثناء والحمدُ في صوبِ.....الحيا للرياحِ لا للغيومِ
وزعيم بأن يذللَ لي الصّعبَ .....فيأتي إلى الهُمام الزعيمِ
وثناء أرسلتُه سلوة الظاعِنِ .....عن شوقه ولهو المُقيمِ
وودادٌ يُغيرُ الدهر ما شاء .....ويَبقى بقَاءَ عهدِ الكَريمِ
فهو رَيحانة الجَليس ولا فَخرَ ....ومنه مِزاجُ كأسِ النَّديمِ
لَم تَزَلْ مُغِياً على هَفوة الجانِي ....مُصيخاً إلى أعتذارِ المُليمِ
ومتى نبدأ الصِّنيعةَ يُوليكَ.....تمامُ الخِصالٍ بالتتميمِ



ها كََها أعزَّك اللهُ يَبسطها الأمَل ، ويَقبِضها الخَجَل ،
لها ذَنْب التقصير ، وحُرمة الإخلاص ، فهَبْ ذَنباً لحُرمة ،
واشفَع نعمةً بنِعمة ؛ ليتأتى لك الإحسانُ مِن جهاتِه ،
وتَسُلك إلى الفضلِ طُرُقاتِه ؛ إن شاء الله تعالى .


هذه الرسالة الجدية الزيدونية بجملتها نثراً ونظماً ، نقلها خليل بن أيبك الصفدي من خط ابن ظافر رحمة الله تعالى .

أيضاً أنا أنقلها من كتاب "تمامُ المُتون في شرح رسالة ابن زيدون"
لخليل بن أيبك الصفدي .
وتحقيق
محمد أبو الفضل إبراهيم .

وشكراً .


زَخَّـــاتْ.