أوراق الماضي
06-08-2007, 10:26 PM
مُـفـترق الطريق ...
ألقت سهماً من عينيها في السماء ثم تنفست بصعوبة.
أرسلت زفرة كـأنها تنفخ في فم إبرة.
لم تزل واقفة أمام مدخل بيتها تنظر للمحيط من حولها.
السماء هذه الليلة ملبدةٌ بالغمام فهي تحجب حتى النجوم خلفها وليس للقمر أثر حتى الآن.
قلّـبت بصرها هنا وهناك لعلها ترى شيئاً جديداً لكن لاشيء على الإطلاق.
إن بعض الليالي مفعمةٌ بالهدوء وجميلة،لكنّ ليالٍ أُخر يزيدها هدوءها كآبةً وألماً فهي كالكابوس أو أشدّ و أمرّ.
********
في مزرعةٍ للقمح يسكنها ريفيوون يحترفون مهنة الزراعة والرعي هناك غرف عديدة وأكواخ يجمعون فيها حصاد المواسم طيلة العام، و علي بعدٍ يسير من أبنيتهم كان كوخ مهجور مغلق الباب لا يكاد يفتح إلا نادراً، وقد تسلل إليه على حين هجر من الزمن مجموعة من البوم التي تتخذ من مثل هذه الملاجئ سكناً لها. فهي توفر لها الأمن المنشود والطعام دون أدنى جهد يطلب. إذ مثل هذه الأماكن لا تخلو من عابر سبيل من فصيلة الفئران التي تتعايش وظروف الزراعة هناك، أو حشرة أو أي شيء صغير.
تحدثت الأيام أن هذه المجموعة كانت محبوبة فيما بينها,فهي وأفراد عائلتها كانت تتناوب في جلب الطعام وتنظيف المكان وبناء أدراج الأعشاش للبيض والصغار، وكانت تملك صفات جميلة لا يتحلى بها أي طائر آخر ولا يستطيع أن يحاكيها أي غريب. فهي فقط صاحبة هذا المقام، إذ تملك بصراً كأنه الموت فلا تكاد تسمع صوتاً أو حركة في الظلام إلا وسلطت على موقعه نظرة تكسر كل جدران العجز لتراه هي بكل وضوح، وإن كان ذلك الصوت هو حركة من فأر فلن يعرف منها إلا مخالبها. و ريشها الذي كأنه الحرير في نعومته لا يتحدث حتى بهمس ولا يصدر أدنى حسيس لا ككل الطيور..
كان هذا الكوخ نظيفاً فليس لشيء أن يتلفه أو أن يعبث فيه أو أن يوسخ أرضه، حتى هذه البومات لا تلقي مخلفاتها كما تفعل الغربان أو الدجاج فليس من طبعها أن تكون قذرة، فهي تحمل طعماها وتبتلعه دفعة واحدة ثم إذا أرادت أن تتخلص منه أخرجته عن طريق فمها وألقت به خارجاً.
ولم يكن أصحاب ذلك الكوخ يشكون منها بأساً أبداً بل كانت هي بأكلها للفئران تقدم خدمةً لم يحلموا بها و بدون أي مقابل.
********
في تلك المزرعة وبداخل ذلك الكوخ كان من عادت هذه البوم في كل نهار أن تعود إلى مسكنها لتقضيه في سبات عميق.
مضى زمن عليها وهي تتردد على هذا الكوخ مع مجموعتها. هي تعرف تماماً هذا المكان، وتعرفه الآن أكثر من أي وقت مضى، كان هناك شيء ما يصطرع بداخلها.
تقلب بصرها حيث القش وبعض الأوراق وبقايا من ريش ناعم أبيض.
إن الأماكن التي يولد بها شيء ما لا تتنكر له أبداً طالما أنه هو لم يتنكر لها.
نقـّلت بصرها في جميع أنحاء الكوخ وكأن شيئاً ما علق بذاكرتها و لازالت تتفحص كنهه.
سرعان ما تجاهلت هذه الأفكار ونفضتها عن نفسها. ومرت لحظات كأنها ماكانت، تقدمت من جديد صوب المنفد الذي يطل على الكون الآخر و وقفت على حافته ورنت للسماء، كانت تدرك معنى السماء جيداً، وكانت تعطي عينيها القدر الكافي من الإسترسال في النظر لثقـب الأفق البعيد.
ياترى مامعنى كل هذه الأشياء التي من حولنا! ولماذا يسترسل أمثال هذه البوم ويطيل النظر فيها وفي محتواها ويفكرون كثيراً في مكنوناتها!
كانت تفكر!! وتفكر!!
لقد تذكرت أنها لم تكن في هذا المكان لوحدها، بل كانت مع أخواتها البوم،لكن أين هم ؟؟
في هذه اللحظة طارت وحلقت بعيداً، ثم استقرت على غصن شجرة هناك وظلت كذلك ترمق الطريق الذي يؤدي بالعابرين والعربات إلى جوف المدينة المترامية على الجهة الأخرى.
كانت تنظر إليه بحنق شديد، ولم تكن لتغير نظرتها عنه، بل ظلت تصوب كل جزء من كيانها إليه في امتعاض وهدوء مريرين ..
*******
على هذا الطريق تمر العربات مسرعة. تلك العربات التي هي من افتعال البشر ومن إبداعه الخاص، فهي تمر في سرعة متناهية ومخيفة. أضواءُها تمزق شفافية الليل المرهف وتحرق جماله الفتان، وضجيجها يقتل النغمات التي تمر في أديم الكون كل مساء، ودخانها يخنق كل الأرواح الحية المتنفسه لعبق الأزهار.
على هذا الطريق،الذي تنظر إليه الآن، فقدت هذه البوم كل رفيقاتها.
لقد كانوا يطيرون إلى الجانب الآخر، ويعبرون كما يفعل كل الأحرار، وبسلام كانوا يعودون.
وذات صباح : انتظرت أختاً لها فلم تعد، ولما بحثت عنها وجدتها ميتةً على هذا الطريق، ولم تكن تعلم كيف ماتت ولا كيف كانت نهايتها.
وهكذا ظلّ جميعُ أخواتها طريقهن للحياة هنا.
وعندما لم تبق إلا هي صارت تأتي لتزور هذا المقام كل ليلة لعلها تحظى بخيال لواحدة منهن..
******
الليلة المساء حالك الظلمة،والهواء مستقرٌ تماماً فلا تكاد ترى غصناً أو ورقة تهتـز. وصرير الحشرات يذيب سكون الليل ويغسل عليه شيئاً من الحياة. ونعيب غريب يسري في أجواء المجهول خلف ستر العتمة، وأشباح من التوتر تقف على جذوع تلك الأشجار التي تقف شاحبةً كالجن فلا تكاد تعرف فيها خوفاً ولا أمناً. ليل جاثم بكل كلكله لا يترك فيه لحيٍ أملٌ في بصيص من نور.
في هذه الأثناء التي يقف فيها كل من كان هناك شاخصاً لا يتحرك.. هبت نسمة..
نسمة يسيرة، ثم تحولت إلى عصف من الهبوب..
تحركت له أغصان الشجر ولعب له الورق على الورق، ثم لمع ضوء شديد امتد الى الأرواح الحية هناك، وتبعه صوت أشبه منه بالأزيز أنشب رعباً في المحيط..
وهنا جفلت البوم وطارت لتعود إلى مسكنها من جديد وترحل عن هذا المكان الذي أصبح بشعاً جداً.
*******
في اليوم الثاني بينما أحد العابرين يسير وهو يحمل على كتفه فأساً غليظة، وفي يده الأخرى جرةً من الماء وجد على الطريق عدد من البوم مرمية على جنبات الطريق، فنظر فيها يتفحصها ثم مضى في سبيله.
وفي المساء وفي مسكن البوم لم يكن هناك أي شيء يتحرك غيرَ صفير الرياح وقليلٌ من القش، وبعض الأوراق، وبقايا من ريشٍ ناعمٍ أبيضٍ...
ألقت سهماً من عينيها في السماء ثم تنفست بصعوبة.
أرسلت زفرة كـأنها تنفخ في فم إبرة.
لم تزل واقفة أمام مدخل بيتها تنظر للمحيط من حولها.
السماء هذه الليلة ملبدةٌ بالغمام فهي تحجب حتى النجوم خلفها وليس للقمر أثر حتى الآن.
قلّـبت بصرها هنا وهناك لعلها ترى شيئاً جديداً لكن لاشيء على الإطلاق.
إن بعض الليالي مفعمةٌ بالهدوء وجميلة،لكنّ ليالٍ أُخر يزيدها هدوءها كآبةً وألماً فهي كالكابوس أو أشدّ و أمرّ.
********
في مزرعةٍ للقمح يسكنها ريفيوون يحترفون مهنة الزراعة والرعي هناك غرف عديدة وأكواخ يجمعون فيها حصاد المواسم طيلة العام، و علي بعدٍ يسير من أبنيتهم كان كوخ مهجور مغلق الباب لا يكاد يفتح إلا نادراً، وقد تسلل إليه على حين هجر من الزمن مجموعة من البوم التي تتخذ من مثل هذه الملاجئ سكناً لها. فهي توفر لها الأمن المنشود والطعام دون أدنى جهد يطلب. إذ مثل هذه الأماكن لا تخلو من عابر سبيل من فصيلة الفئران التي تتعايش وظروف الزراعة هناك، أو حشرة أو أي شيء صغير.
تحدثت الأيام أن هذه المجموعة كانت محبوبة فيما بينها,فهي وأفراد عائلتها كانت تتناوب في جلب الطعام وتنظيف المكان وبناء أدراج الأعشاش للبيض والصغار، وكانت تملك صفات جميلة لا يتحلى بها أي طائر آخر ولا يستطيع أن يحاكيها أي غريب. فهي فقط صاحبة هذا المقام، إذ تملك بصراً كأنه الموت فلا تكاد تسمع صوتاً أو حركة في الظلام إلا وسلطت على موقعه نظرة تكسر كل جدران العجز لتراه هي بكل وضوح، وإن كان ذلك الصوت هو حركة من فأر فلن يعرف منها إلا مخالبها. و ريشها الذي كأنه الحرير في نعومته لا يتحدث حتى بهمس ولا يصدر أدنى حسيس لا ككل الطيور..
كان هذا الكوخ نظيفاً فليس لشيء أن يتلفه أو أن يعبث فيه أو أن يوسخ أرضه، حتى هذه البومات لا تلقي مخلفاتها كما تفعل الغربان أو الدجاج فليس من طبعها أن تكون قذرة، فهي تحمل طعماها وتبتلعه دفعة واحدة ثم إذا أرادت أن تتخلص منه أخرجته عن طريق فمها وألقت به خارجاً.
ولم يكن أصحاب ذلك الكوخ يشكون منها بأساً أبداً بل كانت هي بأكلها للفئران تقدم خدمةً لم يحلموا بها و بدون أي مقابل.
********
في تلك المزرعة وبداخل ذلك الكوخ كان من عادت هذه البوم في كل نهار أن تعود إلى مسكنها لتقضيه في سبات عميق.
مضى زمن عليها وهي تتردد على هذا الكوخ مع مجموعتها. هي تعرف تماماً هذا المكان، وتعرفه الآن أكثر من أي وقت مضى، كان هناك شيء ما يصطرع بداخلها.
تقلب بصرها حيث القش وبعض الأوراق وبقايا من ريش ناعم أبيض.
إن الأماكن التي يولد بها شيء ما لا تتنكر له أبداً طالما أنه هو لم يتنكر لها.
نقـّلت بصرها في جميع أنحاء الكوخ وكأن شيئاً ما علق بذاكرتها و لازالت تتفحص كنهه.
سرعان ما تجاهلت هذه الأفكار ونفضتها عن نفسها. ومرت لحظات كأنها ماكانت، تقدمت من جديد صوب المنفد الذي يطل على الكون الآخر و وقفت على حافته ورنت للسماء، كانت تدرك معنى السماء جيداً، وكانت تعطي عينيها القدر الكافي من الإسترسال في النظر لثقـب الأفق البعيد.
ياترى مامعنى كل هذه الأشياء التي من حولنا! ولماذا يسترسل أمثال هذه البوم ويطيل النظر فيها وفي محتواها ويفكرون كثيراً في مكنوناتها!
كانت تفكر!! وتفكر!!
لقد تذكرت أنها لم تكن في هذا المكان لوحدها، بل كانت مع أخواتها البوم،لكن أين هم ؟؟
في هذه اللحظة طارت وحلقت بعيداً، ثم استقرت على غصن شجرة هناك وظلت كذلك ترمق الطريق الذي يؤدي بالعابرين والعربات إلى جوف المدينة المترامية على الجهة الأخرى.
كانت تنظر إليه بحنق شديد، ولم تكن لتغير نظرتها عنه، بل ظلت تصوب كل جزء من كيانها إليه في امتعاض وهدوء مريرين ..
*******
على هذا الطريق تمر العربات مسرعة. تلك العربات التي هي من افتعال البشر ومن إبداعه الخاص، فهي تمر في سرعة متناهية ومخيفة. أضواءُها تمزق شفافية الليل المرهف وتحرق جماله الفتان، وضجيجها يقتل النغمات التي تمر في أديم الكون كل مساء، ودخانها يخنق كل الأرواح الحية المتنفسه لعبق الأزهار.
على هذا الطريق،الذي تنظر إليه الآن، فقدت هذه البوم كل رفيقاتها.
لقد كانوا يطيرون إلى الجانب الآخر، ويعبرون كما يفعل كل الأحرار، وبسلام كانوا يعودون.
وذات صباح : انتظرت أختاً لها فلم تعد، ولما بحثت عنها وجدتها ميتةً على هذا الطريق، ولم تكن تعلم كيف ماتت ولا كيف كانت نهايتها.
وهكذا ظلّ جميعُ أخواتها طريقهن للحياة هنا.
وعندما لم تبق إلا هي صارت تأتي لتزور هذا المقام كل ليلة لعلها تحظى بخيال لواحدة منهن..
******
الليلة المساء حالك الظلمة،والهواء مستقرٌ تماماً فلا تكاد ترى غصناً أو ورقة تهتـز. وصرير الحشرات يذيب سكون الليل ويغسل عليه شيئاً من الحياة. ونعيب غريب يسري في أجواء المجهول خلف ستر العتمة، وأشباح من التوتر تقف على جذوع تلك الأشجار التي تقف شاحبةً كالجن فلا تكاد تعرف فيها خوفاً ولا أمناً. ليل جاثم بكل كلكله لا يترك فيه لحيٍ أملٌ في بصيص من نور.
في هذه الأثناء التي يقف فيها كل من كان هناك شاخصاً لا يتحرك.. هبت نسمة..
نسمة يسيرة، ثم تحولت إلى عصف من الهبوب..
تحركت له أغصان الشجر ولعب له الورق على الورق، ثم لمع ضوء شديد امتد الى الأرواح الحية هناك، وتبعه صوت أشبه منه بالأزيز أنشب رعباً في المحيط..
وهنا جفلت البوم وطارت لتعود إلى مسكنها من جديد وترحل عن هذا المكان الذي أصبح بشعاً جداً.
*******
في اليوم الثاني بينما أحد العابرين يسير وهو يحمل على كتفه فأساً غليظة، وفي يده الأخرى جرةً من الماء وجد على الطريق عدد من البوم مرمية على جنبات الطريق، فنظر فيها يتفحصها ثم مضى في سبيله.
وفي المساء وفي مسكن البوم لم يكن هناك أي شيء يتحرك غيرَ صفير الرياح وقليلٌ من القش، وبعض الأوراق، وبقايا من ريشٍ ناعمٍ أبيضٍ...